ومع هذا ، ينبغي أن يقيَّد قولُ السهيلي:"كل ما ذكروه عندي من حذف حرف العطف لا يصح ولا يقوم عليه دليل من قياس ولا سماع ، لأن الحروف لو أضمرت لم يبق ما ينبئ عن معانيها ، ألا ترى أنَّ ( أنَّ ) وأخواتها ، وحروف المجازاة ، وحروف الجر ، وحروف النفي ، والاستفهام ، لو أضمر شيء من ذلك لاحتاج المخاطَبُ إلى وحي يطلعه على ضمير المتكلم وأنه أرادها ونواها" (1) ينبغي أن يقيد قوله هذا بأنَّ ذلك لو كان لغير دليل من سياق الكلام ، ولا من مقتضى الحال ، أما مع الدليل فلا يمتنع الحذف ؛ لذا قال ابن مالك ( ت: 671هـ ) في تقدير حرف الجر في نحو: في الدار زيدٌ ، والحجرةِ عمرٌو ، أي: وفي الحجرةِ عمرٌو:"هذا أقرب من عطفٍ على عاملين ، إذ ليس في هذا التوجيه ما يستبعد إلا حذف حرف الجر ، وبقاء عمله ، ومثلُ هذا لوجود ما يدل على المحذوف جائزٌ بالإجماع" (2) .
والدليل على المحذوف إما مقالي وإما حالي:
فمثال ما نزع منه حرف الجر ودليله مقالي قولهم (3) : امرر بأيُّهم أفضلُ ، إنْ زيدٍ ، وإنْ عمرٍو أي: إن مررت بزيدٍ وإن مررت بعمرٍو ، فبقاءُ الاسم مجرورًا بعد نزع الجار دليلٌ مقالي على وجوب تقدير الجار ، لأن الدلالة المقالية"قد تحصل من إعراب اللفظ" (4) وتعيَّنَ كون المحذوف الباء بدلالة السياق .
(1) أمالي السهيلي: 102 .
(2) شرح الكافية الشافية: 3/1241- 1242 .
(3) ينظر: كتاب سيبويه: 1/262- 263 ، وشرح الكافية: 2/177 ، وشرح الأشموني: 2/235 .
(4) البرهان: 3/127 .