ونعني بكثرة الاستعمال سببًا لنزع حرف الجر أن يكثر استعمالُ الفعلِ أو ما يشبهُهُ متعديًا بحرف جر مخصوص ، فيُعرَفُ الحرفُ وموضعُ الحذفِ ، ويُحتاجُ معها إلى التخفيف (1) ، فيُنزعُ حينئذٍ حرفُ الجر ، ويبقى الاسمُ على حاله مجرورًا - في الغالب - يقول ابن الشجري ( ت: 542هـ ) :"وإنما استجازوا إضمارَ مِنْ بعد كم ، لأنه قد عُرِف موضعُها ، وكثُر استعمالُها فيه ، كما كثر استعمالُ الباء في جواب قولهم: كيف أصبحتَ ؟ فقيل لرؤبةَ ، فقال: خيرٍ ، عافاك الله ، فحذف الباءَ وأعملها وسوَّغ له ذلك ما ذكرتُه من كثرة استعمالها مع هذا اللفظ" (2) ، ويقول ابن عقيل ( ت: 769هـ ) :"قال (أي ابن الضائع ت: 680هـ ) : وحرف الجر لا يُحذَفُ ويبقى عملُه إلا حيث يكثر استعمالُه كحذفه من اسم الله في القسم ، وحذفِ مِنْ في باب كم فلولا كثرة مجيء على خيرٍ ونحوه في جواب كيف ، لم يُحذَفِ الحرفُ" (3) .
وهل كثرةُ الاستعمال سببٌ يُفسَّر به نزع حرف الجر غير القياسي حسبُ أو يمكن أن يُفسَّرَ به النزعُ القياسيُّ وغيرُ القياسيِّ ؟
الذي يؤخذ من تمثيلهم أن كثرة الاستعمالِ سببٌ يمكن أن يفسَّر به كلا النوعين من النزع ، النزعِ القياسيِّ وغيرِ القياسيَّ ، لذا كانت الأمثلةُ المذكورةُ في كلام ابن الشجري وابن الضائع تمثلانِ وجهتي النزع ، فنزعُ حرف الجر مع مميز كم ومع لفظ الجلالة في القسم ، يمثِّلُ وجهةَ النزعِ القياسيَّةِ ، ونزعُ حرف الجر مع خيرٍ في قول رؤبة ، يمثِّلُ وجهةَ النزعِ السماعية .
الترخُّصُ عند أمْنِ اللبسِ:
وهو سبب يمكن أن يفسَّر به العدولُ عن أصلِ وضع الجملةِِ ، سواءٌ أَكان العدولُ بالحذف أم كان بغيره كالفصل ، أو تشويش الرتبةِ بالتقديم والتأخير ، أو التوسعِ في الإعراب (4) .
(1) ينظر: تصحيح الفصيح وشرحه: 169 .
(2) أمالي ابن الشجري: 2/132.
(3) المساعد: 3/203- 204 .
(4) الأصول: 138- 139.