فالمصدر المؤول في ذلك ونحوه الأولى فيه أن يقال: إنه في موضع نصب ، والجرُّ جائزٌ بدليل قول الشاعر (1) :
إليَّ ولا دينٍ بها أنا طالبه ... وما زرت ليلى أن تكون حبيبةً
فأن تكون مفعول لأجله لكنه هاهنا في موضع جر بدليل جر المعطوف عليه .
أما إذا كان المصدرُ المؤول المنزوعُ حرفُ الجر منه واقعًا موقع ما لم يطرد فيه نصب الاسم الصريح لو نزع منه حرف الجر فالحكم بجر المحل فيه أظهر ، وذلك لأنه لما كثر نزعُه معهما عمل محذوفًا عمله موجودًا في اللفظ ، مثال ذلك قوله تعالى: { ليس عليكم جناحٌ أن تبتغوا فضلًا } (2) أي: في أن تبتغوا (3) ، وقوله تعالى: { وتصِفُ ألسنتُهم الكذبَ أنَّ لهم الحسنى } (4) أي: بأن لهم (5) .
أما قول أبي حيان في ( ألاَّ يقيما ) من قوله تعالى: { ولا يحلُّ لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا إلا أن يخافا ألاَّ يقيما حدود الله } (6) :"ولا يجيء هنا خلاف الخليل وسيبويه أنه إذا حذف حرف الجر من أنْ ، هل هذا في موضع نصب أو في موضع جر ؟ بل هذا في موضع نصب ؛ لأنه مقدر بالمصدر ، والمصدر لو صرح به كان منصوبًا واصلًا إليه العاملُ بنفسه ، فكذلك هذا المقدر به ، وهذا الذي ذكرناه من أنَّ أنْ والفعل إذا كانا في موضع المفعول من أجله فالموضع نصب لاغير ، منصوص من النحويين ووجهه ظاهر" (7) فيُرَدُّ من وجهين:
(1) سبق تخريجه: 234 .
(2) البقرة: 198 .
(3) ينظر: التبيان: 1/162 .
(4) النحل: 62 .
(5) ينظر: التبيان: 2/799 ، والبحر المحيط: 6/551 .
(6) البقرة: 229 .
(7) البحر المحيط: 2/471 . وينظر: دراسات لأسلوب القرآن الكريم: ق1/ج2/660 .