يكثر في كلام النحويين (1) ذكرُ هذا الغرضِ في مقام تعليل الحذف بسبب كثرة الاستعمال ، وقد تقدم أن كثرة الاستعمال سببٌ يُفسَّرُ به نزعُ حرف الجر كثيرًا ، فيدلُّ ذلك على أن من أغراض نزع الحرف التخفيفَ عند الشعور بالثقل ، يوضحه الشكل الآتي:
ومردُّ هذا الغرض إلى أمرٍ لفظي ، وهو سرعة انقضاء اللسان من النطق بالكلام يقول سيبويه:"وسألته عن قوله: على كم جذعٍ بيتك مبني ؟ فقال: القياس النصب وهو قول عامة الناس ، فأما الذين جروا فإنهم أرادوا معنى مِنْ ، ولكنهم حذفوها تخفيفًا على اللسان" (2) .
ويقول ابن السراج:"فمتى وجدت فعلًا حقَّه أن يكون غير متعدٍّ بالصفة التي ذكرت لك ، ووجدتَ العرب قد عدته فاعلم أن ذلك اتساع في اللغة ، واستخفاف وأنَّ الأصل فيه أن يكون متعديًا بحرف جر وإنما حذفوه استخفافًا" (3) .
ويقول الوراق ( ت: 381هـ ) :"ومنه ما يحذف استخفافًا لكثرته في كلامهم كقولهم: نصحت زيدًا ، وسمَّيتك زيدًاُ ، وكَنَيتك أبا عبد الله ؛ لأن هذه الأشياء قد كثرت في كلامهم فاستخفوها ، فحذفوا حرف الجر" (4) .
من هذه النقول يتضح أن التخفيف على اللسان غرضٌ من أغراض نزع حرف الجر سواء أبقي الاسمُ مجرورًا أم انتصب بعد نزع الخافض ، وهذا الغرض أظهر ما يكون في ما نزع منه حرف الجر وبقي الاسم مجرورًا كما مثَّل له سيبويه وعلَّل . ويذكر ابن يعيش (5) أن حروف الجر قد تحذف في اللفظ اختصارًا واستخفافًا إذا كان في اللفظ ما يدل عليها فتجري لقوة الدلالة عليها مجرى الثابت الملفوظ به وتكون مرادة في المحذوف منه .
(1) ينظر: كتاب سيبويه: 2/160 ، 161 ، 163 ، وشرح المفصل: 8/50 - 52 ، 9/103-105 ، وشرح الكافية: 2/43 ، 177 ، والبرهان: 3/121 ، والأشباه والنظائر:2/304-305 ، والكليات: 384- 385 .
(2) كتاب سيبويه: 2/160 .
(3) الأصول في النحو: 1/171 .
(4) علل النحو: 322 .
(5) ينظر: شرح المفصل: 8/50 - 52 ، 9/103-105 .