وما كان ليكون نزعُ المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه محلَّ وفاقٍ إلاَّ لأنه من جملة الخطاب بما في منطلق العرب من الكلام (1) . يقول ابن تيمية في قوله تعالى: { الحج أشهرٌ معلومات } (2) :"معلوم أن أوقاتَ الحج أشهر معلومات ، ليس المراد أن نفس الأفعال هي الزمان ، ولا يَفهم هذا أحدٌ من اللفظ ولكن قد يقال: في الكلام محذوف تقديره: وقت الحج أشهر معلومات ، ومن عادة العرب الحسنة في خطابها أنهم يحذفون من الكلام ما يكون المذكور دليلًا عليه اختصارًا ... وكذلك قوله: { من آمن } (3) تقديره: بر من آمن ، أو: صاحب من آمن ، وكذلك: ( الحج أشهر ) أي: أوقات الحج أشهر" (4) .
ومع ذلك اختلفوا في الحكم عليه من حيثُ السماعُ والقياس ، فقد ذكر ابنُ جني وابن يعيش أن أبا الحسن الأخفش لا يرى القياس عليه (5) ، واحتج عليه ابن جني بكثرة ما ورد منه (6) ، فإن كان كما ذُكر عنه ، وإلا فقد كان يرى أن ما ورد منه في القرآن شيءٌ كثيرٌ (7) ، وخرَّج عليه مواضعَ من غير أن يتعرض لمنع القياس عليه (8) .
واضطرب ابنُ الحاجب في قياسيته ، فلم ير بأسًا بنزع المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه في كل موضعٍ يكون في الكلام قرينةٌ تدل عليه (9) ، ومنَعَ القياسَ عليه في بعض كلامه (10) .
(1) ينظر: جامع البيان: 1/316 .
(2) البقرة: 197 .
(3) البقرة: 177 .
(4) مجموع الفتاوى: 20/466 .
(5) ينظر: الخصائص: 2/284 ، 362 ، 451 ، وشرح المفصل: 3/24 .
(6) ينظر: الخصائص: 2/451 .
(7) ينظر: معاني القرآن: 1/208 .
(8) ينظر: المرجع السابق: 1/207 - 208 ، 269 ، 348 ، 353 .
(9) ينظر: الأمالي النحوية: 4/19 ، 142 - 143 ، والإيضاح في شرح المفصل: 1/28 - 29 .
(10) ينظر: الإيضاح في شرح المفصل: 1/443 . وقد سبق نقل كلامه في: 62 من هذا البحث .