ومن ذلك قوله تعالى: { حُرِّمتْ عليكم أمهاتُكم } (1) ، أي: نكاحهن ، قال ابن جرير:"يعني بذلك - تعالى ذكره -: حُرِّم عليكم نكاح أمهاتكم ، فتُرِكَ ذكرُ النكاح اكتفاءً بدلالة الكلام عليه" (2) ومثله قوله تعالى: { وأُحِلَّ لكم ما وراءَ ذلكم } (3) أي نكاح ما وراء ذلكم ، وقوله تعالى: { أُحِلَّتْ لكم بهيمةُ الأنعامِ } (4) أي: أكلُ بهيمة الأنعام (5) .
ولابن القيم اعتراضٌ أصيلٌ على منع اتصاف الأعيان بالحلِّ والحرمة (6) خلاصتُه أنَّ تحليل الأعيان وتحريمَها ليس طلبًا لإيجادها أو عدمها ، فإن هذا لا يفهمه أحدٌ ولا يخطرُ ببال السمع أصلًا ، وإنما المفهومُ من كونها حلالًا أو حرامًا الإذنُ في التناول والمنع منه ، هذا حقيقةُ اللفظ وموضوعُه وعرفُ استعماله ، فكما أنَّ الأعيانَ تُوصف بكونها طيبةً وخبيثةً ونافعةً وضارةً ، فكذلك تُوصفُ بكونها حلالًا وحرامًا ، إذ الحلُّ والحرمة تبعٌ لطيبها وخبثها ، وكونها ضارةً ونافعةً ، فوصفُها بكونها حلالًا أو حرامًا جارٍ مَجرى وصفها بكونها طيبةً أو خبيثةً ، ودلالةُ تحريم العين وتحليلها على الفعل المتعلق بها من باب دلالة الالتزام ، وما كان مدلولًا عليه بدلالة الالتزام لا يقال فيه: إنه محذوفٌ مقدر ، فالقائل لغيره: اصعد السطحَ ، قد دلَّه بالالتزام على الصعود إلى السُّلَّم ، ولا يقال: إنَّ في الكلام مضمرًا محذوفًا ، فلا يتوقف - إذنْ - فهمُ المراد من نسبة الحل والحرمة إلى الأعيان على تقدير مضاف محذوف .
و - نسبة النهي إلى الذوات:
(1) النساء: 23 .
(2) جامع البيان: 8/141 . وينظر: الإشارة إلى الإيجاز: 132 .
(3) النساء: 24 .
(4) المائدة: 1 .
(5) ينظر: الإشارة إلى الإيجاز: 136 .
(6) ينظر: مختصر الصواعق المرسلة: 335 - 338 ، وينظر كذلك: البرهان: 3/168 .