والتقدير: وما الدهر إلا يدور دورانًا مثلَ دورانِ منجنونٍ"فحُذِفَ الفعلُ والمصدرُ والصفةُ ومضافُها ، وأقيم المضافُ إليه مقامَ المصدر الأول" (1) على حد النيابة المتدرِّجة ، ويقتصر أكثر من يخرجه على أنه مفعول مطلق أقيم مقام المصدر المضاف في تقديره على حذف الفعل والمصدر المضاف ، فيقدره بيدور دورانَ منجنونٍ (2) وفي ذلك وقوفٌ بالتقدير - لو جاء كذلك - عند حد نيابة المصدر المشبه به عن مصدرٍ ، أي على حدِّ: ضربته ضربَ الأميرِ ، الذي هو على تقدير حذف الصفة وموصوفها كما تقدم قريبًا .
ومن ذلك أيضًا قول الشاعر (3) :
نسيمَ الصَّبا جاءت بريَّا القرنفلِ ... إذا التفتتْ نحوِيْ تضوَّعَ ريحُها
والتقدير: تضوَّعَ ريحُها تضوعًا مثلَ تضوُّعِ نسيم الصبا (4) .
ومن ذلك أيضًا قول الراجز (5) :
حتى إذا صَفُّوا له جدارًا
يقول ابن جني:"فـ ( جدارًا ) منصوب على المصدر ، هذا هو الظاهر ، ألا ترى أن معناه: حتى إذا اصطفوا له اصطفافَ جدارٍ ، ثم حذِف المضافُ وأقيم المضاف إليه مقامه" (6) . وتمام التقدير أن يقال: حتى إذا اصطفوا له اصطفافًا مثلَ اصطفافِ جدارٍ .
(1) رصف المباني: 311 .
(2) ينظر: المقرب: 159 ، وشرح الكافية: 2/218 - 219 ، والجنى الداني: 326 ، وخزانة الأدب: 4/122 وحاشية الصبان: 1/248 . وللنحويين في نصب ( منجنونًا ) أوجهٌ أخرى تنظر في المراجع المذكورة آنفًا ، أما (معذبا) فهو مصدر ميمي كممزق في قوله تعالى: { ومزقناهم كلَّ ممزق } سبأ: 19 ، وانتصب مفعولًا مطلقًا لفعل محذوفٍ والتقدير: وما صاحبُ الحاجاتِ إلا يُعذَّب تعذيبًا .
(3) البيت لامرئ القيس في:ديوانه:15،ورصف المباني:312،وخزانة الأدب:3/152،وبلا نسبة في:مغني اللبيب:803.
(4) ينظر: رصف المباني: 312 .
(5) سبق تخريجه: 32 .
(6) الخصائص: 3/326 . وينظر: ظاهرة النيابة: 129 - 130 .