وليأذن لي أستاذي في القول بأن المبالغة متحققة على الوجه الثاني أيضًا ، إذ"المبالغة متحققة في الاستخدام لا في الأصل" (1) ، ففي كلا الوجهين ؛ التأويل بالمشتق وتقدير المضاف بيانُ الأصل المفترض الذي عُدِل عنه بقصد المبالغة ، ويبقى بعد ذلك البحثُ في ترجيح أحد الوجهين في كونه الأصل المفترض ، ويدلُّ على أن نزع المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه في نحو ما تقدم يقصد منه المبالغة قول سيبويه في: زيدٌ سيرًا سيرًا:"وإن شئت رفعت هذا كلَّه ، فجعلت الآخر هو الأول ، فجاز على سعة الكلام ، من ذلك قول الخنساء (2) :"
فإنما هي إقبالٌ وإدبارُ ... ترتع ما رتعت حتى إذا ادَّكرتْ
فجعلها الإقبال والإدبار ، فجاز على سعة الكلام ، كقولك: نهارك صائم ، وليلك قائم ، ومثل ذلك قول الشاعر ، وهو متمم بن نويرة (3) :
ولا جزعٍ مما أصابَ فأوجعا ... لعمري وما دهري بتأبينِ هالكٍ
جعل دهره الجزع ، والنصبُ جائزٌ على قوله: فلا عيًّا بهن ولا اجتلابا .
وإنما أراد: وما دهري دهرُ جزعٍ ،ولكنه جاز على سعة الكلام ، واستخفوا واختصروا كما فعل ذلك في ما مضى" (4) ."
(1) المرجع السابق .
(2) سبق تخريجه: 24.
(3) البيت له في: المفضليات: 265 ، وتحصيل عين الذهب: 210 ، وسمط اللآلي: 1/87 ، ولسان العرب ( دهر ) و ( أبن ) ، وخزانة الأدب: 2/25 .
(4) كتاب سيبويه: 1/336 - 337 . وينظر: المسائل البغداديات: 207 - 208 .