فغرض المبالغة مفهوم من قوله:"فجعلها الإقبال والإدبار"وسمَّى ذلك: سعة الكلام ، ولما خرَّج بيت متمم خرجه على تقدير مضاف ، فقال:"وإنما أراد: وما دهري دهر جزع"وأشار إلى قصد المبالغة بقوله:"جعل دهره الجزع"وسمى ذلك سعة الكلام وضمَّ إليه غرضين آخرين هما الاستخفاف والاختصار ، وهما من أغراض نزع المضاف ، فظهر أن سيبويه لم يفصل بين تقدير المضاف وقصد المبالغة ، بل جعل تقديرَ المضاف بيانَ الأصلِ المفتَرَض ، فلما قُصِدَتِ المبالغةُ تُصُرِّفَ في القول بنزع المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه وهو الذي سمَّاه سعةَ الكلام .
نعم ، الأخفش ( ت: 215هـ ) هو الذي فصَل بين تقدير المضاف وقصد المبالغة، فجعل قصد المبالغة وجهًا مغايرًا لنزع المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ، وذلك في قوله:"وقال الآخر (1) :"
مقلَّدةً أعنتُها صُفُونا ... تركنا الخيل ، وهي عليه نوحًا
وقال بعضهم: وهي عليه نوحٌ
جعلها في التشبيه هي النوح لكثرة ما كان ذلك منها ، كما تقول: إنما أنت سيرٌ ، وإنما هو حمار في الشبه .
أو تجعل الرفع ، كأنه قال: وهي عليه صاحبةُ نوحٍ فألقى الصاحبة وأقام النوح مقامها ، مثل ذلك قول الخنساء (2) :
فإنما هي إقبالٌ وإدبارُ" (3) ... ترتع ما رتعت حتى إذا ادَّكرت"
وبقول الأخفش قال المبرد في: زيدٌ سيرًا قال:"وإن شئت قلت: زيد سيرٌ يا فتى ، فهذا يجوز على وجهين:"
أحدهما: أن يكون زيد صاحبُ سيرٍ ، فأقمت المضاف إليه مقام المضاف ... كما قال الشاعر:
فإنما هي إقبالٌ وإدبارُ ... ترتع ما رتعت حتى إذا ادَّكرت
أي: ذاتُ إقبال وأدبار .
(1) البيت لعمرو بن كلثوم من معلقته المشهورة في ديوانه: 319 ، وشرح القصائد السبع الطوال: 389 ، وشرح المعلقات السبع: 170 ، وشرح المفصل: 10/94 وهو فيها: عاكفةً عليه ، ولا شاهد فيه على هذه الراوية .
(2) سبق تخريجه:24.
(3) معاني القرآن: 1/269-270 .