أ - اقتضاء الكلام العطف على معمولي عاملين مختلفين (1) ، ومثال ذلك قولهم: ما كلُّ سوداءَ تمرةً ولا بيضاءَ شحمةً ، والتقدير: ولا كلُّ بيضاء شحمة ، فلو لم يقدر المضاف المحذوف لكانت ( بيضاء) معطوفة على ( سوداء ) التي هي معمولة لـ ( كل ) وتكون ( شحمة ) معطوفة على ( تمرة ) التي هي معمولة لـ ( ما ) فعطفُ ( بيضاء ) على (سوداء ) و ( شحمة ) على ( تمرة ) عطفٌ على معمولي عاملين مختلفين ، وهو ممنوع عند الأكثرين ، لذا قُدِّر مضافٌ للسلامة من القول به ، فيكون العطف عندئذٍ من باب عطف معمولين على معمولي عاملٍ واحد و"استغنيت عن تثنية كل لذكرك إياه في أول الكلام ولقلة التباسه على المخاطب" (2) .
ومن جوَّز العطف على معمولي عاملين مختلفين - وهو الأخفش - لم يرَ بأسًا من ترك تقدير مضافٍ ، إذ ليس عنده ما يوجبُ تقديرَه .
هذا ، والشواهد التي قدَّر فيها النحويون مضافًا إثر عاطفٍ متصلٍ أو منفصلٍ بلا ، لئلا يلزم من ترك تقديره العطف على معمولي عاملين مختلفين ، كثيرةٌ فمن المتصل قول الشاعر (3) :
ونارٍ توقَّدُ بالليلِ نارا ... أكلَّ امرئ تحسبين امرأً
والتقدير: وكلَّ نارٍ ، وقول الآخر (4) :
ــزِّ وذي غربةٍ وفقير مَهينُ ... كلُّ مثرٍ في أهله ظاهرُ العـ
أي: وكلُّ ذي غربةٍ . ومن المنفصل بلا المثَلُ المذكور آنفًا ، وقول الآخر (5) :
ولا الشرِّ يأتيه امرؤٌ وهو طائعٌ ... ولم أرَ مثلَ الخير يتركه الفتى
أي: ولا مثل الشرِّ .
ويصلح مثالًا لذلك قولُك: ما مثلُ عبد الله يقول ذاك ولا أخيه يكرهُه .
(1) ينظر ذكر الخلاف في هذه المسألة في: 241 .
(2) كتاب سيبويه: 1/66 .
(3) سبق تخريجه: 63 .
(4) سبق تخريجه: 311 .
(5) سبق تخريجه: 311 .