فلو أراد القارئ أن يخرج بحصيلة الحكم على نزع حرف الجر وإبقاء عمله لخرج بالشيء ونقيضه فهو قليل كثير ، جائز غير جائز ، موضع ضرورة ، ليس بموضع ضرورة ، لا يجوز القياس عليه له وجه من القياس ، وينقاس في مواضع كثيرة . فبأيٍّ يأخذ وقد اضطربوا فيه هذا الاضطراب ، بل يجد النحويَّ ينقض قولَه الذي قرره سلفًا ، فهذا العكبري يرد قول الفراء في تقدير حرف الجر في قوله تعالى: { يسألونك عن الشهر الحرام قتالٍ فيه } (1) أي: عن قتالٍ فيه (2) ويصفه بأنه ضعيف جدًا ويعلله بأنَّ"حرفَ الجر لا يبقى عمله بعد حذفه في الاختيار" (3) ثم يذكر تخريج أبي عبيدة ( ت: 210هـ ) الجرَّ في ( قتال ) على الجوار ، ويرده بأنَّ"الجوار من مواضع الضرورة والشذوذ ، ولا يحمل عليه ما وُجدت عنه مندوحة" (4) حتى إذا جاء إلى إعراب قوله تعالى: { فاغسلوا وجوهَكم وأيديَكم إلى المرافقِ وامسحوا برؤسِكم وأرجلِكم إلى الكعبين } (5) ذكر في تخريج قراءة جر ( أرجلكم ) وجهين:
أحدهما: الإعراب على الجوار ، ووصفه بأنه"ليس بممتنع أن يقع في القرآن لكثرته ، فقد جاء في القرآن والشعر" (6) ثم ذكر بعض شواهده .
والوجه الثاني:"أن يكون جر الأرجل بجار محذوف تقديره: وافعلوا بأرجلكم غسلًا ، وحذفُ الجار وإبقاء الجر جائز ... وليس بموضع ضرورة ، وقد أفردت لهذه المسألة كتابًا" (7) .
(1) البقرة: 217 .
(2) ينظر: معاني القرآن: 1/141 ، والتبيان: 1/174 .
(3) التبيان: 1/174 .
(4) المرجع السابق .
(5) المائدة: 6 . قرأ بنصب ( أرجلكم ) نافع وابن عامر والكسائي وحفص ويعقوب ، وقرأ بجرها ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وأبو بكر . ينظر: حجة القراءات: 221 - 223 ، والتبصرة: 484 ، والبحر المحيط: 4/192 ، والنشر في القراءات العشر: 2/254 ، وإتحاف فضلاء البشر: 1/530 - 531 .
(6) التبيان: 1/422 - 423 .
(7) المرجع السابق .