لم يسلم هذا القسم من نزع الخافض من الاختلاف في الحكم عليه بالقياس أو السماع ، وإن كان الأغلب القول بقياسيته بضوابطه ، فقد نصَّ الأكثرون على كثرته في القرآن والشعر وكلام العرب المنثور .
يقول سيبويه في الاتساع بحذف المضاف ونحوه ، كحذف حرف الجر:"وهذا الكلام كثير ... وهو أكثر من أن أُحصِيَه" (1) .
ويقول الفراء في قوله تعالى: { وأشربوا في قلوبهم العجل } (2) :"أراد: حُبَّ العجل ومثل هذا مما تحذفه العرب كثير" (3) .
ويقول الطبري في تفسير قول الله تعالى: { في قلوبهم مرض } (4) :"أخبر الله جل ثناؤه أن في قلوب المنافقين مرضًا وإنما عنى - تبارك وتعالى - بخبره عن مرض قلوبهم الخبرَ عن مرض ما في قلوبهم من الاعتقاد ، استغنى بالخبر عن القلب بذلك والكناية عن تصريح الخبر عن ضمائرهم واعتقاداتهم كما قال عُمر بن لجأ (5) :"
رأتْ قمرًا بسوقهم نهارا ... وسبَّحتِ المدينةُ لا تلمْها
يريد: وسبح أهلُ المدينةِ ، فاستغنى بمعرفة السامعين خبَره بالخبر عن المدينة ، عن الخبر عن أهلها ، ومثلُه قولُ عنترة العبسي (6) :
إنْ كنتِ جاهلةً بما لم تعلمي ... هلا سألتِ الخيلَ يا ابنةَ مالكٍ
يريد: هلا سألت أصحابَ الخيلِ ، ومنه قولهم: يا خيلَ اللهِ اركبي ، يراد: يا أصحابَ خيلِ الله اركبوا .
(1) كتاب سيبويه: 1/214 - 215 .
(2) البقرة: 93 .
(3) معاني القرآن: 1/62 .
(4) البقرة: 4 .
(5) البيت لعمر بن لجأ في: جامع البيان: 1/279 ، 2/505 ، ولم أجده في مكانٍ آخر .
(6) البيت في ديوانه: 25 ، وهو من معلقته المشهورة .