الخطاب في هذه الآية -والله أعلم- موجّهة لأمّة الإسلام، والذي يلي أمّة الإسلام من الكفار هم اليهود والنصارى أمّا المرتدون فهم داخلنا الآن وليسوا يلوننا. فالقضية ليست أن هذا أقرب وهذا أبعد؛ لأنّك عندما تُعلن القتال على الجيش فلا تقول:"الذين يلونني من الكافر هم هذا المخفر القريب فيجب أن أضرب هذا المخفر قبل الثكنة البعيدة"، لا أحد يقول بأنّ الذين يلوننا من الكفّار هم أقرب حارس شرطة، بل هذه القضايا تخضع للتكتيك السياسي والعسكري، الذين يلوننا من الكفار نحن كأمّة هم اليهود والنصارى.
أما احتجاجهم بأنّ أبا بكر الصديق -رضي الله عنه- قاتل المرتدين قبل الكفّار الأصليين؛ فأقول عندما قاتل أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- المرتدين كان خليفة شرعي، فهي دولة مستقلة وخلافة راشدة ارتدّ فيها نفر من الناس؛ فالواجب أن تخرج لهم وتقمعهم، أمّا نحن فأين دولتنا التي أقمناها حتى نقاتل المرتدين؟! فالنظام القائم هم مرتد ونحن أقليّة.
فالوضع في تلك القضية يختلف عن وضعنا الحالي؛ وضعنا الحالي أنّ هناك نظامًا كفريًا دوليًا ولّى علينا مرتدين وأصبح هناك حلف متماسك من اليهود والصليبيين والمرتدين يقاتلنا، فنحن يجب أن نقاتله شرعًا كله. أما تكتيك من نقاتل أولًا ومن نقاتل ثانيًا فهذا من مسائل الرأي والحرب والمكيدة وليس من مسائل الإلزام الشرعي.
أمّا الذين يقولون بأننا يجب أن نقاتل اليهود والنصارى فقط وليس لنا شأن بالمرتدين؛ فهؤلاء الناس أصابوا من حيث أن قتال اليهود والنصارى هو أساس المسألة لأنهم أصل الصائل الدولي، ولكنهم أخطأوا من حيث أنهم لم يفهموا أن المرتدين مرتبطون سياسيًا وعسكريًا باليهود والنصارى، وأنَّ أيَّ قتال لليهود والنصارى سيجُرُّنا جرًا لقتال المرتدين، على الأقل قتال دفع.
أنت الآن عندما تضرب مجموعة أمريكية في السعودية فمن سيأتي ليعتقلك في بيتك؟ هل سيأتي بيل كلينتون أو الإف بي آي (FBI) ؟ بل سيأتي الحرس الوطني أو الجيش، فهذا الأمر له أحكام، وهذا صائل فسواء كان مرتدًا مثله أو كان جاهلًا مسلمًا فله أحكام في قتاله. فثبت لدينا عمليًا أن قتال هؤلاء يجر لهؤلاء وقتال هؤلاء يجر لهؤلاء. والآن سأتكلم -إن شاء الله تعالى- عن قضية مفتاح الصراع.
فأختصر المسألة فأقول أننا أمام قتال كفار أصليين يهود ونصارى تحالفوا مع مرتدين؛ فقتالهم كلّهم واجب، منفردين ومجتمعين، والأدلة الشرعية قائمة ولن نُفصِّل الآن فيها، -وإن شاء الله في البحث المتكامل نضعه-. فيجب قتالهم سواء كانوا يهودًا أو كانوا نصارى أو كانوا مرتدين أو كانوا مسلمين جاهلين مُكرَهين موجودين في صفوفهم جاؤوا ليقاتلونا معهم؛ نقاتلهم من باب دفع الصائل حتى لو كانوا يُصلُّون ويصومون ويحجّون ويزكّون، ولكنهم جاؤوا مع اليهود والنصارى فنحن نقاتلهم، {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [1] .
(1) سورة المائدة، الآية: (51) .