فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 129

استردّ بها العرب كرامتهم من الفرس، والتي تسمى موقعة (ذي قار) وكانت قريبة من ولادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو كانت من إرهاصات ولادته.

المهم انتدب الناس وجاء المثنى بن حارثة -رضي الله عنه- فكان أوَّل مَنْ أَقْدَم على الخروج على غزو فارس، فولّاه عمر بن الخطاب على الناس، وكان من فرسان العرب وأسيادهم، ثم فُتحت معظم أراضي فارس، ففُتحت العراق وبدأوا في قتال فارس. ولمّا أرادوا أن يتمدَّدوا في بلاد فارس أراد عمر بن الخطاب أن لا يبتعد المسلمون كثيرًا حتى يُهزموا ويعجز عن إمدادهم، فأمرهم بالتوقف قليلًا حتى تتهيّأ الدولة، فقال له القوّاد:"إن لم نغزُهُم غزونا"، وهذا مبدأ أساسي، فأمر بمواصلة الفتوح.

أريد أن أتكلم عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في قضية ويجب أن تقرأوا كتابًا في سيرته، وهناك كتب متخصصة في حياة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-؛ لأنه مدرسة متكاملة، وكل صحابي مدرسة، وكل واحد منهم نموذج متكامل متميز.

مما تميَّز به عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه كان رجلًا إداريًا، دولة الإسلام تأطَّرت في عصر عمر؛ فلمّا امتدّت الفتوح وجد أنه بحاجة إلى بريد فأنشأ البريد، ووجد أنه بحاجة إلى ترتيب الجند فنظَّم دواوين الجند وأقام لهم مجمعات سكنية.

فكانت عقليته إدارية، فالمؤسّس لدولة الإسلام في عصر الخلافة الراشدة كدولة مستقرة وإدارة هو عمر -رضي الله عنه-؛ فلمّا قُتل عمر -رضي الله عنه- كما قال الرسول -عليه الصلاة والسلام- أنّ عمر هو قفل الإسلام وسيُكسَر [1] .

وكان من إدارته أن منع الصحابة الأساسيين من السفر حتى لا يدخلوا في الشام والعراق ويدخلوا في الدنيا، فلمّا قُتل -رضي الله عنه- خرج الصحابة إلى الفتوح والبلاد.

ثم جاءت فترة سيدنا عثمان -رضي الله عنه- وكانت مرحلة ازدهار، بدأت تُصبّ الغنائم على المسلمين صبًا؛ غنائم كسرى وغنائم الروم وغنائم الشام، حتى كان يُباع العبد والجارية بدارهم قليلة، وعندما أخذوا غنائم كسرى وجدوا سجّادة قطعة واحدة من الحرير تغطّي كلّ إيوان كسرى مزركشة بالذهب والجواهر، فقطّعوها قطعًا، فكان الواحد يأخذ منها (شبرًا في شبر) فيبيعه فيشتري به ما يريد.

فلما فُتحت الدنيا على المسلمين بدأت الفتن، كما قال الرسول -عليه الصلاة والسلام-: (ما الفقر أخشى

(1) أخرج الإمام البخاري في صحيح (525) عن شقيق عن حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- قال: كنا جلوسا عند عمر -رضي الله عنه-، فقال: أيكم يحفظ قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الفتنة؟ قلت أنا كما قاله، قال: إنك عليه أو عليها لجريء، قلت: «فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره، تكفرها الصلاة والصوم والصدقة، والأمر والنهي» ، قال: ليس هذا أريد، ولكن الفتنة التي تموج كما يموج البحر، قال: ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين، إن بينك وبينها بابا مغلقا، قال: أيكسر أم يفتح؟ قال: يكسر، قال: إذا لا يغلق أبدا. قلنا: أكان عمر يعلم الباب؟ قال: نعم، كما أن دون الغد الليلة، إني حدثته بحديث ليس بالأغاليط، فهبنا أن نسأل حذيفة، فأمرنا مسروقا فسأله، فقال: الباب عمر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت