الآن نقفز لمرحلة خاصّة في منطقة الشام ومصر؛ الصليبيون دخلوا في القرن الحادي عشر، وهذا يهمنا جدًا، الحملات الصليبية الأولى، واستمرت مئتين سنة القرن الحادي عشر حتى القرن الثالث عشر، يعني 491 - 690 هـ = 1097 - 1291 م، وهذا سنتكلم عنه بالتفصيل.
المهم انتهت الحملات الصليبية الأولى وطردها المسلمون وقامت ممالك قوية؛ فقامت الدولة الزنكيَّة وهم ترك من موصل العراق، وامتدّوا وحكموا الشام، وكان من ملوكهم المشاهير نور الدين زنكي الملقّب بنور الدين الشهيد، وهو ملك من الملوك الصالحين عاصره ابن الأثير وامتدحه كثيرًا، وكان مجاهدًا طوال حياته. فهو مجاهد ابن مجاهد وشهيد ابن شهيد [1] وكانت مملكة جهاد.
الدولة الزنكية أدّت إلى الدولة الأيوبيَّة؛ لأن صلاح الدين الأيوبي -رحمه الله- كان ضابطًا في جيش نور الدين زنكي، فلما ذهب إلى مصر أنشأ لنفسه مملكة، فلما مات نور الدين رجع واستولى على الشام ووحَّد بلاد الشام ومصر وسمّي سلطان الشام ومصر، وتابع الجهاد ضد الصليبيين، وكانت معركة حطين، وكانت بداية خروج الصليبيين من المشرق.
وبعد الدولة الأيوبية جاءت دولة المماليك، والمماليك كانوا عبيدًا عند الأيوبيين؛ فكان كل أمير أيوبي يتخذ عددًا من العبيد؛ وهذا دليل على قوته لأن عبيده يحمونه، فالعبيد لكثرة ما تسلحوا وتدربوا أصبحوا أساتذة الجيش؛ بعد فترة صاروا هم الأقوياء والملوك هم الضعاف، فعزلوهم وأمسكوا هم الدولة.
وسأتكلم لكم في بحث خاص فيما بعد -إن شاء الله- عن قضية العلماء، لأنه في فترة المماليك كان هناك سلطان العلماء العز بن عبد السلام؛ سنتكلم عن قصّته مع الأيوبيين والمماليك، وكذلك سنتكلم عن الحملات الصليبية الثلاثة في محاضرة منفصلة.
فالمماليك استلموا الحكم في مصر ثم تمدَّدوا إلى الشام، فامتدت دولة المماليك لتشمل مصر وبلاد الشام والحجاز واليمن، في حين كانت العراق وفارس والهند والسند ووسط آسيا وشمال إفريقيا كلها ممالك لها قصتها، ونحن نتكلم الآن عن منطقة الصراع.
وكان هناك ممالك إسلامية فنشأت دولة المرابطين والموحِّدين، وكانوا يجاهدون الصليبيين في أوروبا، ونشأت ممالك إسلامية منذ القرن الرابع في الهند ومناطق آسيا، وقامت الدولة الغزنوية وقام فيها محمود الغزنوي، وفتح بلاد الهند وأوصل الإسلام إلى مناطق الهند، وقبره في غزنة.
وقامت كذلك ممالك إسلامية في وسط إفريقيا، ولم يصل لنا من تاريخها الكثير، وهذه مهمتكم. والإسلام دخل إلى الجزائر عن طريق الحركات الصوفية وعن طريق الدعاة والتجار، ثم دخل مالي والنيجر والسنغال، ثم قام في
(1) توفي نور الدين زنكي سنة 569 هـ لمرض ألم به ولم يُقتل في أرض المعركة، وكان يلقب في حياته بالشهيد لشجاعته المفرطة وطلبه الشهادة في سبيل الله.