قال أبو الوليد: فانطلقت لأنظر ماذا يكون منه، فلم يزل يلقي نفسه في المهالك غالب النهار ولا يصل إليه شيء حتى إذا دنا غروب الشمس جاء سهمٌ في نحره فخرّ صريعًا وأنا أنظر إليه، فضجت الناس وبادروا إليه، وأخذوه وجاؤوا به يحملونه فلما رأيته، قلت له: هنيئًا ما تفطر عليه الليلة يا ليتني كنت معك. قال: فعضّ على شفتيه، وهو يضحك، ثم قال: الحمد لله الذي صدقنا وعده ثم مات. قال هشام: فصحت يا عباد الله لمثل هذا فليعمل العاملون واسمعوا ما أخبركم عن أخيكم هذا فأقبل الناس، فحدّثتهم بالحديث على وجهه، وما كان منه فما رأيت باكيًا كالساعة، ثم كبروا تكبيرة اضطرب لها العسكر وشاع الحديث، وبلغ الخبر إلى مسلمة، فجاء وقد وضعناه لنصلي عليه، فقلت صلّ عليه أيها الأمير، فقال: بل يصلي عليه الذي عرف من أمره ما عرف في موضعه، وبات الناس يتحدّثون به، فلما طلع الصباح تذاكرنا حديثه، فصاحوا صيحة وحملوا على العدوّ، ففتح الله الحصن في ذلك النهار ببركته رحمة الله عليه.
وحكى اليافعي عن الشيخ عبد الواحد بن زيد. قال: بينما نحن ذات يوم في مجلسنا هذا قد تهيأنا للخروج إلى الغزو، وقد أمرت أصحابي أن تهيؤوا لقراءة آية، فقرأ رجل في مجلسنا {إنَّ الله اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ} (سورة التوبة: 111) فقام غلام في مقدار خمس عشرة سنة أو نحو ذلك، وقد مات أبوه وورثه مالًا كثيرًا، فقال: يا عبد الواحد بن زيد ـــــ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ـــــ فقلت: نعم حبيبي، فقال لي: أشهدك أني قد بعت نفسي ومالي بأن لي الجنة، فقلت له إنّ حدّ السيف أشدّ من ذلك، وأنت صبي، وإني أخاف أن لا تصبر وتعجز عن ذلك، فقال: يا عبد الواحد أبايع الله بالجنة ثم أعجز أنا أشهد الله أني قد بايعته أو كما قال رضي الله عنه.
رقم الجزء: 1 رقم الصفحة: 259