وَنَقَلَ التَّمَسُّكَ بِالْعُمُومِ إلَى أَنْ يَظْهَرَ الْمُخَصِّصَ عَنْ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَالْمَنْعَ مِنْهُ عَنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ. وَكَذَلِكَ صَوَّرَ الْمَسْأَلَةَ وَالنَّقْلَ، الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ فِي"التَّقْرِيبِ"وَالْإِمَامُ فِي"التَّلْخِيصِ"قَالَ: وَذَهَبَ ابْنُ سُرَيْجٍ وَمُعْظَمُ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّهُ لَا يُسَوَّغُ اعْتِقَادُ الْعُمُومِ إلَّا بَعْدَ النَّظَرِ فِي الْأَدِلَّةِ ثُمَّ إذَا نَظَرَ فِيهَا جَرَى عَلَى قَضِيَّتِهَا.
قَالَ: وَارْتَضَاهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ، وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَكَذَلِكَ صَوَّرَهَا إلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ فِي"الْمَدَارِكِ"، وَنَقَلَ مُوَافَقَةَ ابْنِ سُرَيْجٍ عَنْ الْقَفَّالِ وَابْنِ خَيْرَانَ وَالْإِصْطَخْرِيُّ، وَكَذَلِكَ ابْنُ بَرْهَانٍ فِي"الْأَوْسَطِ"إلَّا أَنَّهُ اخْتَارَ قَوْلَ الصَّيْرَفِيِّ، وَقَالَ: إنَّهُ الصَّحِيحُ. وَكَذَا اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَالْمَقْدِسِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى بْنُ الْفَرَّاءِ وَأَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ مِنْ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَاخْتَارَهُ أَيْضًا الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيَّ وَأَتْبَاعُهُ، وَأَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ. لَكِنَّ الرَّاجِحَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَبْلَ الْبَحْثِ عَنْ الْمُخَصِّصِ، وَنَقَلَ فِيهِ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ اتِّفَاقَ أَصْحَابِنَا، وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ فِي"الْبُرْهَانِ"وَزَيَّفَ قَوْلَ الصَّيْرَفِيِّ"، وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ ظَاهِرِ نَصِّ الشَّافِعِيِّ."
وَقَالَ فِي كِتَابِ"الْأَقْضِيَةِ"وَتَبِعَهُ الرُّويَانِيُّ فِي"الْبَحْرِ": إنَّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. قُلْت: هُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي"أَحْكَامِ الْقُرْآنِ"، فَإِنَّهُ قَالَ: وَعَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ عِنْدَ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ طَلَبُ الدَّلَائِلِ لِيُفَرِّقُوا بَيْنَ الْحَتْمِ وَغَيْرِهِ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ. هَذَا لَفْظُهُ. فَنَصَّ عَلَى طَلَبِ الدَّلَائِلِ الْمُمَيِّزَةِ بَيْنَ مَوَاقِعِ