فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 209

-نشأة بيت المال في الإسلام:

نقل ابن الأثير وغيره أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان أول من اتخذ بيت المال، لكن مصادر أخرى تذكر أن أبا بكر رضي الله عنه كان قد اتخذ بيت مال للمسلمين؛ ففي الاستيعاب لابن عبد البر وتهذيب التهذيب لابن حجر أن أبا بكر وعمر استعملا معيقيب بن أبي فاطمة على بيت المال.

وذكر ابن الأثير في الكامل أنه لما توفي أبو بكر جمع عمر الأمناء وفتح بيت المال، فلم يجدوا فيه غير دينار سقط من غِرارة فترحموا عليه [1] . وفي كتاب الخراج لأبي يوسف في عهد خالد زمن أبي بكر لأهل الحيرة [2] ، كتب لهم: وجعلت لهم أيما شيخ ضعف عن العمل، أو أصابته آفة، أو كان غنيًّا فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه، طُرحت جزيته، وعيل من بيت مال المسلمين وعياله [3] ما أقام بدار الهجرة ودار الإسلام ... اهـ.

أما النبي عليه الصلاة والسلام فلم تذكر السنة ولا المراجع استعمال هذه التسمية (بيت المال) في عهده، لكن يظهر في كثير من الأحاديث أن بعض وظائف بيت المال كانت قائمة [4] ، فإن الأموال العامة من الفيء وأخماس الغنائم وأموال الصدقات وما يهيأ للجيش من السلاح والعتاد ونحو ذلك، كل ذلك كان يضبطه الكُتَّاب، وكان يخزن إلى أن يحين موعد إخراجه.

أما بعد عهد عمر رضي الله عنه فقد استمر بيت المال يؤدي دوره طيلة العهود الإسلامية إلى أن جاءت النظم المعاصرة فاقتصر دوره في الوقت الحاضر في بعض البلاد الإسلامية على حفظ الأموال الضائعة ومال من لا وارث له، وقام بدوره في غير ذلك وزارات المالية والخزانة [5] .

(1) لأنه كان قد أنفقه جميعه في مصالح المسلمين.

(2) أي كتابه وعهده إليهم.

(3) هذا لأهل الذمة .. أهل الجزية، فليتفكر المجاهدون في هذا، ليعلموا أن الغاية التي شرع لها الجهاد هي رحمة الخلق لا قتلهم، وأننا بعثنا هداة لا جباة، وأن الغاية هي المعاملة بما يناسب روح هذا الدين لا جباية الأموال، وعليهم أن يعلموا أن ترك النصارى في بلادنا وعدم التعرض لأنفسهم وأموالهم -ولو لم يكونوا أهل ذمة- هو الصحيح والأولى، مالم يتحالفوا مع أعدائنا الذين نحاربهم، ويقفوا معهم ويظاهروهم ويوالوهم علينا، وكل هذا رغم كفرهم. وقد يقول قائل من هؤلاء النصارى: نحن مستعدون لدفع الجزية وعقد الذمة، وعندها فنحن -المجاهدين- في واقعنا الحالي غير مستعدين، ولم نبلغ من التمكين والقدرة الشرعية التي تناط بها مثل هذه الأحكام.

(4) والعبرة إنما هي بقيام هذه الوظائف وليست بالتسمية، والعبرة بالحقائق والمعاني لا بالأسماء والمباني.

(5) والحقيقة أنه لا يصح اعتبار وزارة المالية والخزانة بديلًا عن بيت المال لأسباب كثيرة: منها: أن النظم المعاصرة وشكل الدولة الحديثة وجدت للقضاء على الهياكل الإسلامية، التي منها بيت المال تبعًا لحلول الدولة الحديثة -بنظمها وهياكلها المناسبة لتقسيم العالم الإسلامي بعد إسقاط الخلافة- مكان نظم وقوانين وهياكل دولة الخلافة. ومنها: أن هذه الدول هي دول غير إسلامية بل هي دول طاغوتية بدلت أحكام الله وشرعت ما لم يأذن به الله ووالت أعداء الله رغم أن شعوبها مسلمة. ومنها: أن النظام المالي العام في الإسلام والذي مركزه بيت المال بوارداته وصادراته ودخله وخرجه تلاشى تمامًا -في ظل النظم الحديثة- بتلاشي وذهاب دولة الإسلام من الأساس، ولا بد من إعادة بناء هذا النظام من جديد عبر إعادة بناء دولة الإسلام التي لها بيت مالها بموارده ومصادره من الفيء والغنيمة والخراج والعشور والجزية .. إلخ وعسى أن يكون ذلك قريبًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت