لقد شرع الله سبحانه وتعالى الغنائم وأباحها لنا رحمةً منه بنا، لمَّا علم ضعفنا، فله الحمد على ذلك سبحانه، قال صلى الله عليه وسلم: «فَلَمْ تَحِلَّ الْغَنَائِمُ لِأَحَدٍ مِنْ قَبْلِنَا، ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى رَأَى ضَعْفَنَا وَعَجْزَنَا، فَطَيَّبَهَا لَنَا» [1] .
وواجب العبد تجاه نعمة ربه أن يشكرها، والشكر يكون بالقلب واللسان، ويكون بالجوارح، وإن الشكر العملي لهذه النعمة -أي شكر الجوارح- يكون بأداء حق الله فيها، وإن أفضل هذه الوجوه بذلها في سبيل الله في الجهاد حيث الحاجةُ ماسَّةٌ، والجهاد جهادُ دفعٍ، والله سبحانه وتعالى قدَّم الجهاد بالمال في عموم آيات الكتاب سوى قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} ليدل بهذا التقديم على أهمية المال بالنسبة للجهاد، حيث أن المال عصب الجهاد كما هو معلوم.
والمقصود التنبيه على أن أشرف ما تُصرف فيه الأموال وضعُها في سبيل الله، في هذا الجهاد الذي هو فرض عين بالمال والنفس، لمن يستطيعه.
وإذا كان الله قد شرع لنا الغنيمة رحمةً منه وفضلًا، إلا أنه حضَّنا على عدم التعلق بها، وأن لا تكون سبيلًا للشقاق فيما بيننا، حيث أنزل الله سورة الأنفال الجليلة، التي بيَّن فيها أحكام الغنائم وتوزيعها، إلا أن بين مطلع السورة وسبب نزولها في قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ للهِ وَالرَّسُولِ} وبين تبيان أحكام الغنائم في قوله: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ ... } أربعين آية.
وقد أورد الإمام البيهقي في السنن الكبرى عن أبي أمامة الباهلي قال: سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال قال: فينا أصحاب بدر نزلت، ثم ذكر كيف قسمهم رسول الله أثلاثًا وكيف أنهم اختلفوا، ثم قال: فلما اختلفنا وساءت أخلاقنا انتزعه الله من أيدينا فجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسمه على الناس عن بَوَاء [2] ، فكان في ذلك تقوى الله وطاعته وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصلاح ذات البين، يقول الله عز وجل: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ للهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} . ورواه جرير بن حازم عن محمد بن إسحق مع تقصير في إسناده، وقال: فقسمه على السواء لم يكن فيه يومئذٍ خمس، والحديث رواه كذلك أحمد والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم وأقرَّه الذهبي.
(1) البخاري (3124) ومسلم (1747) ، واللفظ له.
(2) أي عن سواء.