"أقوام يبغي الإمام كفايتهم ويدرأ عنهم بالمال الموظف لهم حاجتهم ويتركهم مكفيين ليكونوا متجردين لما هم بصدده من مهمّ الإسلام، وهؤلاء صنفان:"
أ-المرتزقة: وهم نجدة المسلمين وعدتهم ووزرهم وشوكتهم، فينبغي أن يصرف إليهم ما يرمّ خلّتهم ويسد حاجتهم.
ب- الذين انتصبوا لإقامة الدين، وانقطعوا بسبب اشتغالهم واستقلالهم بها عن التوصل إلى ما يقيم أوَدَهم ويسد خلتهم، ولولا قيامهم بما لابسوه لتعطلت أركان الإيمان، فعلى الإمام أن يكفيهم مؤنتهم حتى يسترسلوا فيما تصدوا له، وهؤلاء هم القضاة والحكام والقسّام والمفتون والمتفقهون ..." [1] ."
"إذا أراد ولي الأمر إسقاط بعض الجيش من الديوان لسبب أوجبه أو لعذر اقتضاه جاز، وإن كان لغير سبب لم يجز لأنهم جيش المسلمين، وإذا أراد بعض الجيش إخراج نفسه من الديوان جاز مع الاستغناء عنه، ولم يجز مع الحاجة إليه إلا أن يكون معذورًا. وإذا جرد الجيش لقتال فامتنعوا -وهم أكفاء من حاربهم- سقطت أرزاقهم، وإن ضعفوا لم تسقط. وإذا مرض بعضهم أو جن ورجي زوال المرض والجنون ولو بعد مدة طويلة بقي اسمه في الديوان لئلا يرغب الناس عن الجهاد ويشتغلوا بالكسب [3] ، باتفاق الشافعية والحنابلة" [4] .
قال الشيخ أبو يحيى الليبي في شرحه لقول شيخ الإسلام في السياسة الشرعية:
" (فلما كان في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كثر المال) بسبب الفتوحات (واتسعت البلاد، وكثر الناس فجعل ديوان العطاء للمقاتلة وغيرهم) أي: جعل ديوانًا خاصًّا بالناس الذين يخرجون للجهاد لأنهم أهم من ينبغي أن يصرف عليهم لأن مصدر المال هو عن طريقهم."
(وديوان الجيش -في هذا الزمان- مشتمل على أكثره، وذلك الديوان هو أهم دواوين المسلمين) في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يكن هناك جيش محدد، وإنما أكثرهم يقاتلون تطوعًا، وأما في زمن
(1) نفس المصدر (7/ 119) .
(2) وهذا كله كما ترى إنما هو في جهاد الفتح (الطلب) وليس الدفع.
(3) انظر إلى هذا التعليل الجميل, الذي يعكس أهمية الجهاد عند أئمتنا، كما يعكس نفسيتهم لدى الحديث في الجهاد.
(4) نفس المصدر (21/ 158) .