وفيه المسائل التالية:
-المسألة الأولى: الأربعة الأخماس؛ هل هي للغانمين مطلقًا؟
اختلف العلماء في تقسيم الغنيمة، هل يرجع إلى اجتهاد الإمام بحسب ما يرى من مصلحة الإسلام والمسلمين، أم أنه على ما ذكرته آية الأنفال {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ} بكون خمسه لله والرسول والأصناف المذكورين، بينما الأربعة الأخماس الباقية للغانمين.
ونحن هنا نفصل هذا الخلاف وأدلة الفريقين بما يناسب المقام:
1 -المذهب الأول: وهو مذهب جمهور العلماء حتى حكى بعضهم فيه الإجماع: وهو أن الغنائم تخمَّس، فيؤخذ خمسها لمن ذكرتهم آية الأنفال {وَاعْلَمُوا ... } على خلافٍ بين العلماء في تفاصيل ذلك ليس هنا موضع بيانها، أما الأربعة الأخماس الباقية فهي للغانمين، مع مراعاة مسائل أخرى مثل السلب، والنفل، وهل النفل من الأربعة الأخماس أم من غيرها وغير ذلك من مسائل يأتي بعضها.
2 -المذهب الثاني: وهو مذهب كثير من المالكية [1] والفزاري من الشافعية وعليه بعض العلماء: أن تقسيم الغنيمة يرجع إلى تقدير الإمام بحسب ما يرى من المصلحة في ذلك -طبعًا مصلحة الإسلام والمسلمين-.
قال في أضواء البيان:"اعلم أن جماهير علماء المسلمين على أن أربعة أخماس الغنيمة للغزاة الذين غنموها، وليس للإمام أن يجعل تلك الغنيمة لغيرهم، ويدل لهذا قوله تعالى: {غَنِمْتُمْ} فهو يدل على أنها غنيمة لهم، فلما قال: {فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} ، علمنا أن الأخماس الأربعة الباقية لهم لا لغيرهم ... فكذلك قوله: {فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} ، أي: وللغانمين ما بقي، وهذا القول هو الحق الذي لا شك فيه، وحكى الإجماع عليه غير واحد من العلماء، وممن حكى إجماع المسلمين عليه ابن المنذر، وابن عبد البر [2] ، والداودي، والمازري، والقاضي عياض، وابن العربي، والأخبار بهذا المعنى متظاهرة، وخالف في ذلك بعض أهل العلم، وهو قول"
(1) وقد نقل خلافهم في هذه المسألة كثير من العلماء؛ كالماوردي في أحكامه، والشنقيطي في أضوائه، والسفاريني في كشف اللثام.
(2) قال الزحيلي:"وقد ادعى ابن عبد البر الإجماع على أن هذه الآية -أي قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ ... } - نزلت بعد قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ} وأن أربعة أخماس الغنيمة مقسومة على الغانمين. وجمهور العلماء على أن هذه الآية مخصوصة بأمور ثلاثة هي: أن سلب المقتول لقاتله إذا نادى به الإمام، أي أعلن عنه قبل المعركة، وكذلك الأسارى، الاختيار فيهم إلى الإمام بلا خلاف، وكذلك الأرض غير داخلة في عموم هذه الآية في رأي الجمهور" [التفسير المنير (10/ 11) ] .