فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 209

كثير من المالكية، ونقله عنهم المازري رحمه الله أيضًا، قالوا: للإمام أن يصرف الغنيمة فيما يشاء من مصالح المسلمين، ويمنع منها الغزاة الغانمين.

واحتجوا لذلك بأدلة منها قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} الآية، قالوا: الأنفال: الغنائم كلها، والآية محكمة لا منسوخة، واحتجوا لذلك أيضًا بما وقع في فتح مكة، وقصة حنين قالوا: إنه صلى الله عليه وسلم فتح مكة عنوة بعشرة آلاف مقاتل [1] ومنَّ على أهلها فردها عليهم، ولم يجعلها غنيمة ولم يقسمها على الجيش، فلو كان قَسْم الأخماس الأربعة على الجيش واجبًا لفعله صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة، قالوا: وكذلك غنائم هوازن في غزوة حنين، أعطى منها عطايا عظيمة جدًّا، ولم يعط الأنصار منها مع أنهم من خيار المجاهدين الغازين معه صلى الله عليه وسلم ...

قالوا: لو كان يجب قسم الأخماس الأربعة على الجيش الذي غنمها، لما أعطى صلى الله عليه وسلم ألفي ناقة من غنائم هوازن لغير الغزاة، ولما أعطى ما ملأ بين جبلين من الغنم لصفوان بن أمية، وفي ذلك اليوم أعطى الأقرع بن حابس التميمي مائة من الإبل، وكذلك عيينة بن حصن الفزاري، حتى غار من ذلك العباس بن مرداس السلمي ... قالوا: فلو كان قسم الأخماس الأربعة على الجيش الغانمين واجبًا، لما فضَّل الأقرع وعيينة في العطاء من الغنيمة على العباس بن مرداس في أول الأمر قبل أن يقول شعره المذكور [2] .

وأجيب من جهة الجمهور عن هذه الاحتجاجات: فالجواب عن آية: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ} هو ما قدمنا من أنها منسوخة بقوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ} ، ونسبه القرطبي لجمهور العلماء [3] ، والجواب عما وقع في فتح مكة من أوجه: الأول: أن بعض العلماء زعموا أن مكة لم تُفتح عنوة، ولكن أهلها أخذوا الأمان منه صلى الله عليه وسلم، وممن قال بهذا الشافعي رحمه الله"."

(1) وهذا هو الراجح، أي أن مكة فتحت عنوة لا صلحًا، أو أن قسمًا منها على الأقل فتح عنوة.

(2) أي في أضواء البيان.

(3) يرى بعض العلماء أن آية: {وَاعْلَمُوا} مبينة ومفسرة لآية: {يَسْأَلُونَكَ} لا ناسخة لها، أما الإمام الطبري فقد قال في تفسيره بعد ذكر قول من قال بأن آية {يَسْأَلُونَكَ} منسوخة بآية {وَاعْلَمُوا} :"وقال آخرون: هي محكمة، وليست منسوخة. وإنما معنى ذلك: {قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ} ، وهي لا شك لله مع الدنيا بما فيها والآخرة وللرسول، يضعها في مواضعها التي أمره الله بوضعها فيه، -ثم ذكر الطبري من قال بذلك- ... قال ابن زيد في قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ} ، فقرأ حتى بلغ: {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} ، فسلَّموا لله ولرسوله يحكمان فيها بما شاءا، ويضعانها حيث أرادا، فقالوا: نعم! ثم جاء بعد الأربعين: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} الآية، ولكم أربعة أخماس ... قال أبو جعفر -أي الطبري-: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله جل ثناؤه أخبر أنه جعل الأنفال لنبيه صلى الله عليه وسلم، يُنفِّل من شاء، فنفَّل القاتل السَّلَب، وجعل للجيش في البَدْأة الربع، وفي الرجعة الثلث بعد الخمس. ونفَّل قومًا بعد سُهْمَانهم بعيرًا بعيرًا في بعض المغازي. فجعل الله تعالى ذكره حكم الأنفال إلى نبيه صلى الله عليه وسلم، ينفِّل على ما يرى مما فيه صلاحُ المسلمين، وعلى من بعده من الأئمة أن يستَنُّوا بسُنته في ذلك."

وليس في الآية دليل على أن حكمها منسوخ، لاحتمالها ما ذكرتُ من المعنى الذي وصفت. وغير جائز أن يحكم بحكم قد نزل به القرآن أنه منسوخ، إلا بحجة يجب التسليم لها". [تفسير الطبري (13/ 381) ] ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت