ثم قال الشنقيطي:"والحق أنها فُتحت عنوة".
"ومن أظهر الأجوبة عما وقع في فتح مكة، أن مكة ليست كغيرها من البلاد؛ لأنها حرام بحرمة الله من يوم خلق السماوات والأرض إلى يوم القيامة، وإنما أحلت له صلى الله عليه وسلم ساعة من نهار، ولم تحل لأحد قبله ولا بعده، وما كان بهذه المثابة فليس كغيره من البلاد التي ليست لها هذه الحرمة العظيمة."
وأما ما وقع في قصة حنين فالجواب عنه ظاهر، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم استطاب نفوس الغزاة عن الغنيمة [1] ؛ ليؤلف بها قلوب المؤلفة قلوبهم لأجل المصلحة العامة للإسلام والمسلمين [2] "."
ثم ذكر استطابة رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفوسهم وقال:"وهذا ثابت في الصحيح".
ثم قال:"فالحاصل أن أربعة أخماس الغنيمة التي أوجف الجيش عليها الخيل والركاب للغزاة الغانمين على التحقيق الذي لا شك فيه، وهو قول الجمهور، وقد علمت الجواب عن حجج المخالفين في ذلك" [3] .
ومن جملة أقوال شيخ الإسلام فيما نحن بصدده:
قال:"وما زالت الغنائم تقسم بين الغانمين في دولة بني أمية ودولة بني العباس لما كان المسلمون يغزون الروم والترك والبربر" [4] .
فقوله:"كان المسلمون يغزون"يدل على جهاد الفتح (الطلب) وهو مختلف عن حالة جهاد الدفع في زماننا -وسنأتي على ذكر ذلك فيما بعد-، من حيث وجود بيت المال وانتظامه واردًا وصادرًا، وكذلك اتساق النظام المالي العام في ظل وجود دولة الإسلام.
وقال:"ومكة أقرَّها النبي صلى الله عليه وسلم بيد أهلها على ما كانت عليه مساكنها ومزارعها ولم يقسمها ولم يضرب عليها خراجًا؛ ولهذا قال من قال: إنها فُتحت صلحًا، ولا ريب أنها فتحت عنوة كما تدل عليه الأحاديث الصحيحة المتواترة، لكن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق أهلها جميعهم فلم يقتل إلا من قاتله، ولم يسبِ لهم ذرية، ولا غنم لهم مالًا ولهذا سمّوا الطلقاء. وأحمد وغيره من السلف إنما عللوا ذلك بكونها فتحت عنوة مع كونها مشتركة بين المسلمين. كما قال تعالى: {وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} ، وهذه هي العلة التي اختصت بها مكة دون سائر الأمصار، فإن الله أوجب"
(1) ما ذكره الشنقيطي على أنه ظاهر، مردود بقول الفزاري وكذلك عطية الله وغيرهم وسيأتي كلامهم.
(2) هذا يعني أن ترك الأصل (وهو التوزيع على قاعدة الأربعة أخماس بخمس) لمصلحة راجحةٍ للإسلام والمسلمين جائز.
(3) أضواء البيان (2/ 56 - 58) .
(4) مجموع الفتاوى (28/ 271) .