فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 209

حجها على جميع الناس وشرع اعتمارها دائمًا فجعلها مشتركة بين جميع عباده، كما قال: {سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} "."

وقال:"والنبي صلى الله عليه وسلم منَّ على أهل مكة، فإن الأسير يجوز المنُّ عليه للمصلحة، وأعطاهم مع ذلك ذراريهم وأموالهم، كما منَّ على هوازن لما جاءوا مسلمين بإحدى الطائفتين: السبي أو المال، فاختاروا السبي فأعطاهم السبي، وكان ذلك بعد القسمة، فعوَّض عن نصيبه من لم يرضَ بأخذه منهم، وكان قد قسم المال فلم يرده عليهم [1] ".

ثم قال:"وكان في هذا ما دل على أن الإمام يفعل بالأموال والرجال والعقار والمنقول ما هو أصلح، فإن النبي صلى الله عليه وسلم فتح خيبر فقسمها بين المسلمين، وسبى بعض نسائها وأقر سائرهم مع ذراريهم حتى أجلوا بعد ذلك فلم يسترقهم، ومكة فتحها عنوة ولم يقسمها لأجل المصلحة".

وقال:"ولو فتح الإمام بلدًا وغلب على ظنه أن أهله يسلمون ويجاهدون جاز أن يمنَّ عليهم بأنفسهم وأموالهم وأولادهم، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بأهل مكة ... ، والمقصود بالجهاد أن تكون كلمة الله هي العليا وأن يكون الدين كله لله، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي المؤلفة قلوبهم ليتألَّفهم على الإسلام فكيف لا يتألفهم بإبقاء ديارهم وأموالهم!".

وواضحٌ أن شيخ الإسلام إنما ذكر المقصود ليدلل به على أن مصلحة الدين، والتي هي مقصود الجهاد تقدم على قسمة الأموال؛ بمعنى أنه إذا كانت مصلحة الإسلام في حالةٍ عدمُ القسم، فهي الأولى، رغم أن الأصل في الغنيمة تقسيمها.

وقال في نفس السياق بعد ذكره لقصة حنين وما حصل مع الأنصار:"فهذا كله بذل وعطاء لأجل إسلام الناس وهو المقصود بالجهاد". ويُفهم من هذا أنه في الحالة الطبيعية ينبغي قسمة الغنائم، لكن حين تكون مصلحة الإسلام التي هي مقصود الجهاد: عدم التقسيم .. فتُقَدَّم، وسنزيد هذا شرحًا فيما يأتي.

وقال شيخ الإسلام في كلامٍ جميلٍ ضمن نفس السياق:"ومن قال: إن الإمام يجب عليه قسمة العقار والمنقول مطلقًا فقوله في غاية الضعف، مخالف لكتاب الله وسنة رسوله المنقولة بالتواتر، وليس معه حجة واحدة توجب ذلك، إن قسمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم خيبر تدل على جواز ما فعل لا تدل على"

(1) هذا يشعر بأنه لو لم يقسم المال لربما رده عليهم أيضًا لما يرى من مصلحة في ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت