وجوبه، إذ الفعل لا يدل بنفسه على الوجوب، وهو لم يقسم مكة ولا شك أنها فتحت عنوة، وهذا يعلمه ضرورةً من تدبر الأحاديث. وكذلك المنقول: من قال: إنه يجب قسمه كله بالسوية بين الغانمين في كل غزاة فقوله ضعيف، بل يجوز فيه التفضيل للمصلحة، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفضل في كثير من المغازي. والمؤلفة قلوبهم الذين أعطاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم من غنائم خيبر فيما أعطاهم قولان: أحدهما أنه من الخمس، والثاني أنه من أصل الغنيمة وهذا أظهر، فإن الذي أعطاهم إياه هو شيء كثير لا يحتمله الخمس، ومن قال العطاء كان من خمس الخمس فلم يدر كيف وقع الأمر، ولم يقل هذا أحد من المتقدمين، هذا مع قوله: «لَيْسَ لِي مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ إِلَّا الْخُمُسُ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ» [1] ، وهذا لأن المؤلفة قلوبهم كانوا من العسكر ففضلهم في العطاء للمصلحة، كما كان يفضلهم فيما يقسمه من الفيء للمصلحة، وهذا دليل على أن الغنيمة للإمام أن يقسمها باجتهاده كما يقسم الفيء باجتهاده إذا كان إمام عدل قسمها بعلم وعدل، ليس قسمتها بين الغانمين كقسمة الميراث بين الورثة وقسمة الصدقات في الأصناف الثمانية"."
ثم قال:"وقد قسم النبي صلى الله عليه وسلم من خيبر لأهل السفينة الذين قدموا مع جعفر ولم يقسم لأحد غاب عنها غيرهم، وقسم من غنائم بدر لطلحة والزبير ولعثمان وكان قد أقام بالمدينة."
وهؤلاء الذين كانوا يريدون القتال وكانوا مشغولين ببعض مصالح المسلمين الذين هم فيها في جهاد، وأيضًا أهل السفينة وطلحة والزبير وعثمان لم يكونوا كغيرهم، والقتال لم يكن لأجل الغنيمة فليست الغنيمة كمباح اشترك فيه ناس مثل الاحتشاش والاحتطاب والاصطياد، فإن ذلك الفعل مقصوده هو اكتساب المال بخلاف الغنيمة، بل من قاتل فيها لأجل المال لم يكن مجاهدًا في سبيل الله، ولهذا لم تُبَحْ الغنائم لمن قبلنا وأبيحت لنا معونةً على مصلحة الدين، فالغنائم أبيحت لمصلحة الدين وأهله [2] .
فمن كان قد نفع المجاهدين بنفع استعانوا به على تمام جهادهم جُعل منهم وإن لم يحضر، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الْمُسْلِمُونَ يَدٌ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَيَرُدُّ مُتَسَرِّيهِمْ عَلَى قَاعِدِهِمْ» . فإن المتسري إنما تسرى بقوة القاعد، فالمعاونون للمجاهدين من المجاهدين" [3] ."
(1) رواه أحمد (6729) ، وأبو داود (2755) ، والنسائي (4424) ، ومالك في موطأه (923) .
(2) انظر إلى قوله في حكمة إباحة الغنائم، ومنه تعلم أن الغنائم ليست هي المقصود، بل المقصود مصلحة الدين، فإذا تعارض التقسيم مع مصلحة الدين قُدِّمت مصلحة الدين، على ما يُفهم من كلام شيخ الإسلام رحمه الله.
(3) مجموع الفتاوى (17/ 490 - 496) .