قال في حجة الله البالغة:"وأما الفيء فمصرفه ما بيَّن الله تعالى حيث قال: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} ، إلى قوله: {رَءُوفٌ رَحِيمٌ} ، ولما قرأها عمر رضي الله عنه قال: (هذه استوعبت المسلمين) ، فيصرفه إلى الأهم فالأهم، وينظر في ذلك إلى مصالح المسلمين لا مصلحته الخاصة به."
واختلفت السنن في كيفية قسمة الفيء، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه الفيء قسمه في يومه، فأعطى الآهل حظين، وأعطى الأعزب حظًّا [1] ، وكان أبو بكر رضي الله عنه يقسم للحر وللعبد [2] ، ويتوخى كفاية الحاجة، ووضع عمر رضي الله عنه الديوان على السوابق والحاجات، فالرجل وقِدمه، والرجل وبلاؤه، والرجل وعياله، والرجل وحاجته، والأصل في كل ما كان مثل هذا من الاختلاف أن يحمل على أنه إنما فعل ذلك على الاجتهاد، فتوخى كل المصلحة بحسب ما رأى في وقته" [3] ."
فيجوز إذن التفضيل، والزيادة للقِدم، أو لبلاء الرجل، أو لكثرة عياله ولحاجته .. إلخ، ومن هذا أيضًا مراعاة حال المحاصرين في واقعنا؛ كالغوطتين وحمص -فرَّج الله كربتنا وكربتهم-.
قال الشافعي رحمه الله في الأم:"وإذا قرب القوم من الجهاد ورخصت أسعارهم، أعطوا أقل ما يعطى من بعدت داره وغلا سعره" [4] .
فمثل هذا في واقعنا؛ المناطق المحاصرة، والمحافظات غير المنتجة كالقلمون -نصرنا الله فيها على الرافضة والنصيرية ومن والاهم-.
ثم يضيف الدهلوي في حجة الله البالغة قائلًا:"والأراضي التي غلب عليها المسلمون للإمام فيها الخيار؛ إن شاء قسمها في الغانمين، وإن شاء أوقفها على الغزاة كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر، قسم نصفها ووقف نصفها، ووقف عمر رضي الله عنه أرض السواد، وإن شاء أسكنها الكفار ذمة لنا".
وقال أيضًا في جملٍ مهمةٍ جدًّا:"والأصل في المصارف أن أمهات المقاصد أمور:"
(1) وفيه دليل على صحة ما تقوم به بعض الجماعات الجهادية من تفضيل المتزوج على الأعزب في المعونات والكفالات، وكذا مراعاة عدد الأولاد.
(2) قال ابن قدامة:"لا نعلم بين أهل العلم اليوم خلافًا في أن العبيد لا حق لهم في الفيء" [المغني 6/ 463] ، وقال النووي:"لا تثبت في الديوان أسماء العبيد، وإنما هم تبع للمقاتل يُعطى لهم، وذلك أن الذي يثبت في الديوان أسماء الرجال المكلفين المستعدين للغزو"اهـ بتصرف [روضة الطالبين 6/ 362] .
(3) حجة الله البالغة (2/ 273 - 274) .
(4) الأم للشافعي (4/ 163) .