ولابد هنا من الانتباه إلى ضرورة التفريق بين الغنيمة والفيء، إذ أن كثيرًا من إخواننا يخلط بينهما وقد بينا ذلك بالتفصيل، كما بينا اختلاف أحكام الفيء، حيث أن الراجح في الفيء كما أسلفنا هو: عدم التخميس من جهة، وأن عمومه يعود ليُصرف في مصالح المسلمين بحسب ما يرى الإمام من تلك المصالح، وأهمها الجهاد والغزو والثغور ونحو ذلك من جهة أخرى.
وفي مثل هذه الحالات قال شيخ الإسلام:"وما زالت الغنائم تقسم بين الغانمين في دولة بني أمية ودولة بني العباس لما كان المسلمون يغزون الروم والترك والبربر" [1] ، فقوله: لما كان المسلمون يغزون، واضح في أن الحالة حالة جهاد الفتح والغزو والطلب للعدو في دياره في ظل دولة الإسلام ودار الإسلام وإمام المسلمين وأمة الإسلام وبيت مال المسلمين.
وقال شيخ الإسلام كذلك:"الجهاد واجب على المسلمين عمومًا على الكفاية منهم، وقد يجب أحيانًا على أعيانهم، لكن وجوبه على المرتزِقة الذين يُعطَون مال الفيء لأجل الجهاد أوكد، بل هو واجب عليهم عينًا، واجبٌ بالشرع، وواجبٌ بالعقد الذي دخلوا فيه لما عقدوا مع ولاة الأمر عقد الطاعة في الجهاد، وواجب بالعوض، فإنه لو لم يكن واجبًا لا بشرعٍ ولا ببيعةِ إمامٍ لوجب بالمعاوضة عليه ..."، إلى قوله:"فإن المرتزقة ضمنوا للمسلمين بالارتزاق؛ الدفعَ عنهم فاطمأن الناس إلى ذلك واكتفوا بهم وأعرضوا عن الدفع بأنفسهم" [2] .
وقال أيضًا:"وكما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بنصر المسلم، وسواء كان الرجل من المرتزقة للقتال أو لم يكن ..." [3] ، ثم تكلم عن جهاد الدفع، وقد مرَّ معنا قوله.
فدار الإسلام قائمة وأمة الإسلام بمعناها السياسي -أي جماعة المسلمين المنضوين تحت راية إمامٍ ممكن- موجودة، أو على الأقل هناك دولة للإسلام وسلطان للمسلمين، وبيت المال موجود ومنتظم أو شبه منتظم، ولو اختل نظامه في منطقة ما، إلا أنه بالجملة موجودٌ قائمٌ ويعمل واردًا وصادرًا، وبالتالي فالنظام المالي الإسلامي يعمل وليس معطلًا، والثغور مكتفية بعدد جنودها، ثم إن العدو دهم بلدًا من بلاد المسلمين
(1) مجموع الفتاوى (28/ 271) .
(2) مجموع الفتاوى (28/ 184 - 185) .
(3) مجموع الفتاوى (28/ 359) .