أو احتل عدة بلدان أو غير ذلك، وهنا يصبح الجهاد فرض عين -كما أسلفنا- على أهل تلك البلدة، ويتسع ليشمل الأقرب فالأقرب ممن حولهم، فمن وراءهم حتى يشمل جميع المسلمين إلى أن تحصل الكفاية برد العدو الصائل.
وفي المحصلة إما أن يعود الأمر ليستقر لصالح المسلمين بطرد ذلك المحتل؛ أو يفقد المسلمون جزءًا من دار الإسلام لتصبح تلك البقعة تحت سلطان غيرهم كما الأندلس، ولكن بقيت دولة الإسلام قائمة والأمة سياسيًّا موجودة، وكذلك بيت مالها ودار إسلامها ونظامها المالي وتوابع ذلك، وحتى في زمن التتار لما اجتاحوا العالم الإسلامي بشكل كاسح بقيت بعض حواضر الإسلام التي حملت اللواء وجاهدت في سبيل الله في عين جالوت وشقحب وسواهما، فضلًا عن ولادة الخلافة العثمانية أثناء ذلك الاجتياح وقبله. المهم أن دار الإسلام بقيت موجودة والخلافة -ولو رمزيًّا- كانت موجودة، والتي تمثل عامل وحدة الأمة، وكل هذا يتبعه وجود مركز وبؤرة ينطلق منها الجهاد لاستعادة أراضي المسلمين، ولا بد لهذا المركز أن يكون له بيت مال ونظام مالي، حيث أن المال عصب أي حركة نحو الجهاد ولا يمكن الجهاد بغير مال، وما لم يتم تغطية نفقات الجهاد من مقدرات الأمة وبيت مالها فلا يقوم جهاد.
وبين حالة دهم العدو لبلدة في أطراف العالم الإسلامي على حين غرة، وغزو التتار لمعظم بلاد المسلمين، بقيت حالة جهاد الدفع قائمة ومكَّن الله المسلمين من دحر العدو حيث دار الإسلام ودولته وخلافته وبيت ماله.
ولو نظرنا في كلام أهل العلم لوجدنا أن كلامهم يختلف فيما لو كانت الحالة: دهم العدو بلدًا من بلاد المسلمين، عن حالة ما لو دهم بلاد المسلمين أو بلادًا كثيرةً، حيث يتوسع الواجب ويتعدد ويصبح الفرض بالمال والنفس يشمل دوائر كثيرة تتقاطع بحسب القرب والبعد عن النقطة التي دهمها العدو ولكن بقي الحال في الغالب أن المنطقة أو الإقليم المستقر، له بيت ماله، ويدعم بيتُ المال المركزي المنطقةَ التي حدث فيها اقتراب العدو، وقد يذهب بيت مال المنطقة بذهابها لصالح العدو، وكل عبارات الفقهاء تشير إلى أن دفع العدو الصائل -أي في حالة جهاد الدفع- مقدم على كل شيء، ولو ذهبت الأموال، بل ترخُص في سبيل ذلك المهج والأرواح، ومن هذا المنطلق قال الشيخ أبو قتادة حفظه الله:"وأنت تعلم أن الغنائم والسبايا وأحكامها يُبحَث فيها في جهاد الطلب وليس في جهاد الدفع، وإن كان يُعمَل بها في جهاد الدفع ولكنها ليست أصلية فيه".