والحاصل أنه ليس من الفقه توزيع الغنائم بينما العدو يهاجم بلاد المسلمين، إذ أنه لا بدَّ -والحالة هذه- من تسخير كل المقدرات بما فيها الغنائم لدفع صائلته، لأن هذا الدفع دفع عن الدين والحرمة والأنفس، وكلها مقدمة على حق المال.
على أنَّا نقول: قد يمكن في فترة من الفترات الجمع بين تقسيم الغنيمة للغانمين وبين جهاد الدفع، وذلك فيما لو كان المكان الذي دهمه العدو لا يتأثر جهاد أهله فيما لو وزعت الغنيمة، أو كان في بيت المال كفاية لدحر هذا العدو أو نحو ذلك.
أما لو اتسع الواجب باتساع الرقع التي يقضمها العدو من بلاد المسلمين، فلا شك أن حكم تقسيم الغنيمة يرتفع إن كان تقسيمها يضر بالجهاد ويؤثر عليه سلبًا، فتقدم مصلحة الجهاد الدينية على مصلحة الغانمين، وهذا الذي يُفهم من عبارات علمائنا لا غيرُه، مع ضرورة الانتباه إلى التفريق بين المرتزقة وغيرهم كما مر معنا، وحيث أن الجهاد دفع فهو فرض على المرتزقة وغير المرتزقة، لكن فرضيته على المرتزقة آكد من غيرهم.
وقد أجاز بعض العلماء كالجويني فيما مر معنا، أن يفرض الإمام على الأغنياء نصيبًا من أموالهم في حالة ما إذا كانت الكفاية للجنود حاصلة لهم في ثغورهم، ولكن ليس معهم زيادة مال يغزون به ويفتحون، ونحن هنا نذكر فتواه بأطول مما مر حتى نتعرف كيف بنى العلماء فتواهم بالنظر إلى مقاصد الشريعة وكلياتها، علمًا بأن كل ما أوردناه أو سنورده من أقوال أهل العلم إنما أوردوه في حال هو أحسن حالًا من واقعنا الذي سنتحدث عنه في (الحالة الثالثة من حالات الجهاد التي نحن بصدد تبيانها) .
قال الإمام الجويني في غياث الأمم:"فنقول إذا خلا بيت المال انقسمت الأحوال، ونحن نرتبها على ثلاثة أقسام، ونأتي في كل قسم منها بما هو مأخذ الأحكام. وطرح القضايا السياسية بالموجبات الشرعية، فلا يخلو الحال وقد صفِر بيت المال من ثلاثة أنحاء:"
أحدها: أن يطأ الكفار -والعياذ بالله- ديار الإسلام، والثاني: أن يطؤوها ولكنا نستشعر من جنود الإسلام اختلالًا ونتوقع انحلالًا وانفلالًا لو لم نصادف مالًا، ثم يترتب على ذلك استجراء الكفار في الأقطار وتشوفهم إلى وطء أطراف الديار [1] .
(1) أطراف الديار وليس عقر الديار ومركز دولة الإسلام.