والثالث: أن يكون جنود الإسلام في الثغور والمراصد على أُهَبٍ وعتاد وشوكة واستعداد لو وقفوا، ولو نُدبوا للغزو والجهاد لاحتاجوا إلى ازديادٍ في الاستعداد، وفضلٍ واستمداد، ولو لم يُمَدوا لانقطعوا عن الجهاد، فهذه التقاسيم قاعدة الفصل فلنقل فيها أولًا ...:
-فأما إذا وطئ الكفار ديار الإسلام، فقد اتفق حملة الشريعة قاطبةً على أنه يتعين على المسلمين أن يَخِفُّوا ويطيروا إلى مدافعتهم زرافاتٍ ووحدانًا، حتى انتهوا إلى أن العبيد ينسلون عن ربقة طاعة السادة، ويبادرون الجهاد على الاستبداد، وإذا كان هذا دين الله عز وجل دين الأمة ومذهب الأئمة فأي مقدارٍ للأموال في هجوم أمثال هذه الأهوال لو مست إليها الحاجة، وأموال الدنيا لو قوبلت بقطرة دمٍ واحدة لم تعدلها ولم توازنها [1] .
فإذا وجب تعريض المهج للتوى، وتعيَّن في محاولة المدافعة التهاوي على دركات الردى ومصادمة العدا، ومن أبدى في ذلك تمردًا فقد ظلم واعتدى [2] .
فإذا كانت الدماء تسيل على حدود الظُّبّاتِ، فالأموال في هذا المقام من المستحقرات [3] .
وأجمع المسلمون أجمعون على أنه إذا اتفق في الزمان مُضَيَّعون فقراء مملِقون [4] تعين على الأغنياء أن يسعوا في كفايتهم، وكذلك اتفقوا كافةً على وجوب بذل الأموال في تجهيز الموتى وغيره من جهات فروض الكفايات، فلاحَ أبلغ وجهٍ في الإيضاح [5] أنه يجب على الأغنياء في هذا القسم أن يبذلوا فضلات أموالهم ... حتى تنجلي هذه الداهية، وتنكف الفئة المارقة الطاغية [6] "."
إلى قوله:"فهذا بيان مقدار غرضنا الآن إذا وطئ الكفار بلاد الإسلام."
(1) تأمل في قوله هذا ومدى دلالته على ما نحن بصدده من أن المال في جهاد الدفع يُوظَّف في مصلحة الدين وتقدم هذه على كل مصلحة، وكما قال: وأي مقدار للأموال في مثل هذه الأهوال إذا مست الحاجة، ولا شك أن حالتنا أشد من هذه الحالة بشكل واضح.
(2) يستخدم هنا قياس الأولى ليقول: إن المهج ترخص أمام الدين في جهاد الدفع ويكون تقديم المهج فرض عين، فكيف بالمال؟! وعليه فمن أبدى في بذل الأموال ونحوها تمردًا واعتراضًا فقد ظلم واعتدى، هذا فيمن يملك المال أصلًا فكيف في حال عدم تقسيم الغنيمة؟! مع مصاحبة أن واقعهم خير من واقعنا، فمهما قالوا في واقعهم ففي واقعنا أولى.
(3) لا زال الإمام يستشهد بقاعدة"قياس الأولى"إذ أن النفس مقدمة على المال، ولكن كليهما يرخص للدين.
(4) من الإملاق، وهو شدة الفقر.
(5) لا يزال يستخدم قياس الأولى: أي أن بذل المال في دفع العدو أولى من دفعه في تلك الوجوه، ولذا نقول: لا شك أن جعل الغنيمة في المال الذي يدفع به العدو أولى من قسمتها للغانمين، ولا شك أن حالتنا أولى وأولى.
(6) أي يستمر دفع المال حتى يدحر المسلمون من دهم بلدهم، وتعود بلاد الإسلام مستقرة، ولا شك أن صورة واقعنا أجلى وأوضح، حيث لا دار للإسلام، وإنما نحن في مرحلة الجهاد لإيجادها وإعادتها، ولسنا في مرحلة دفع العدو عن بلدٍ معينةٍ لإعادة ضمها إلى دار الإسلام.