فأما إذا لم يجرِ ذلك بَعدُ ولكنا نحاذره ونستشعره لانقطاع مواد الأموال [1] ، واختلال الحال، وإشارة الزمن إلى سوء المغبات في المآل، ولو لم نتدارك ما نخافُ وقوعه لوقع غالب الظن. فهذا الفن ملحق بالقسم الأول قطعًا، ولا يحل في الدين تأخير النظر للإسلام والمسلمين إلى اتفاق استجراء الكافرين [2] ولو فرض في مثل هذا الحال توقف وتمكث لانحل العصام وانتثر النظام، والدفع أهون من الرفع [3] ، وأموالُ العالمين لا تقابل غائلة وطأة الكفار في قريةٍ من قرى الديار [4] وفيها سفك دم المسلمين أو امتداد يد إلى الحُرَم، ولو وقع وتم، فلا مستدرك لما انقضى وتقدم، إلا التأسف وقرع سن الندم، فإذن يلتحق هذا القسم بما تقدم.
فأما القسم الثالث: وهو ألا نخاف من الكفار هجومًا، لا خصوصًا في بعض الأقطار ولا عمومًا، ولكنِ الانتهاضُ إلى الغزوات والانتداب للجهاد في البلاد يقتضي مزيد عتادٍ واستعداد [5] فهل يكلِّف الإمام المثرين والموسرين أن يبذلوا ما يستعدون به؟ هذا موقع النظر ومجال الفِكَر، ذهب ذاهبون إلى أنه لا يكلفهم ذلك، بل يرتقب في توجيه العساكر وما يحصل من الأموال، والذي أختاره قاطعًا به أن الإمام يكلف الأغنياء من بذل فضلات الأموال ما تحصل به الكفاية والغناء، فإن إقامة الجهاد فرض على العباد، وتوجيه الأجناد على أقصى الإمكان والاجتهاد في البلاد محتومٌ لا تساهل فيه، وما أقرب تقاعدنا عنهم إلى مسيرهم إلينا واستجرائهم علينا [6] ، وإذا كنا لا نسوغ تعطيل شيء من فروض الكفايات فأحرى فنونها بالمراعاةِ، الغزواتُ ..."."
ثم قال:"وقد أجرينا فيما تقدم أن الدنيا تبع الدين وأن صاحبنا بعث لتأسيس الدين ... فمن عظائم الأمور ترك الأجناد وتعطيل الجهاد وانحصار العساكر في الثغور [7] ."
فإن قيل قد ذكرتم أنه تمتد يد الإمام إلى أموال الموسرين عند الهمِّ بتجهيز الأجناد إلى الجهاد فما قولكم فيه إذا كان مع المرتزِقة كفايتُهم وعدتهم في إقامتهم ونهضتهم، ومرابطتهم وغزوهم في أوانها وإبانها؟ ولكن
(1) أي موارد بيت المال، ولا شك أن صورة تجفيف المنابع وملاحقة من يتبرع للجهاد في واقعنا أجلى وأوضح، هذا فضلًا عن عدم وجود بيت مال للمسلمين أصلًا في واقعنا.
(2) أي لا يحل شرعًا أن نؤخر النظر .. وبالتالي العمل لمصلحة الإسلام والمسلمين، إلى أن يتجرأ الكفار على بلاد المسلمين، وسدًا لهذه الذريعة تجب المسارعة قبل ذلك بمجرد الشعور بالخطر.
(3) أي أن دفع العدو لدى دهمه الديار وقبل أن يدخلها ويتمكن فيها، أهون من إزالته بعد دخولها واحتلالها.
(4) هذا هو النظر الصحيح في المقاصد، فتقديم أموال الدنيا أهون من أن يطأ الكفار قريةً من قرى المسلمين، فكيف لو وطئوا كل الديار، وأبطلوا حكم الشريعة وأسروا الرجال، واعتدوا على الحريم، ألا يسوغ القول بعدم توزيع الغنيمة حتى ترصد لمحاربتهم؟!
(5) وهي حالة جهاد الفتح والطلب كما لا يخفى.
(6) أي أن الذي دفعه إلى هذه الفتوى من جواز أخذ أموال الأغنياء، إنما هو الخوف -فيما لو لم يحصل ذلك- من أن يتجرأ الكفار على المسلمين فيما لو لم يغزُهُم المسلمون طلبًا لهم في بلادهم، فتأمل بناء الفتاوى على المقاصد وتقديم مصلحة الدين.
(7) من عظائم الأمور أن لا يكون هناك جهاد طلب، بأن يبقى الجنود محصورين في ثغورهم لا يخرجون منها غازين -فتحًا وطلبًا-.