فصل
في التفريق بين الجهاد حين يقع على عاتق الأمة، والجهاد حين تتولاه الدولة المسلمة، وهل حال الجماعات الجهادية -كجبهة النصرة- أقرب للأول أم للثاني؟
مر معنا سابقًا أن الأصل في الجهاد أن يكون فرض كفاية؛ لأن الأصل في أمة الإسلام أنها أمة غازية فاتحة، ومر معنا أن الأصل في الجهاد أن تقوم به الأمة لأنها بمجموعها مخاطبةٌ به حيث يتطوع أبناؤها لأداء فريضة الجهاد.
وقد كان الجهاد في العهود الأولى كذلك حيث كانت تقوم به الأمة متطوعةً.
فكان تجهيز الجيش الإسلامي لأي غزوة يتم عبر حشد الأمة وطاقاتها وتعبئتها للجهاد، من تطوع أبنائها في ذلك، فكان الرجل يخرج للجهاد -متطوعًا من نفسه- ويجهز نفسه بنفسه، يخرج بمركوبه فرسًا كان أو غيرَه وسلاحِه ورمحه وترسه وكامل عدته وعتاده وكذا زاده ومؤونته، فكان يستحق أربعة الأخماس مقابل جهاده بنفسه، وبلائه في الحرب مع ما يقدمه من تجهيزات المعركة من سلاح وعدة وعتاد، وقلما كان تجهيز الجيش يقع على عاتق الدولة المسلمة، أي أن الأصل في هذا العهد وقوع التجهيز على عاتق أفراد الأمة المتطوعين للجهاد، ولم يكن هناك جيشٌ بالمعنى الاصطلاحي للكلمة، وإنما كان جيش الدولة الإسلامية هو عمومُ أفراد الأمة حين ينادي المنادي.
ثم مع مرور الوقت نشأ ما يسمى ديوان المرتزِقة -ديوان الجند- (وهم الجيش النظامي لدولة الإسلام) وكان تجهيزهم بالكامل يقع على عاتق دولة الخلافة الإسلامية، ويتقاضون راتبًا على تلك الوظيفة (الجندية والجهاد) ولذلك سموا بالمرتزقة، -ويعطون رواتبهم من بيت المال من الفيء ولا يعطون من الغنيمة- إلا إذا شاء الإمام أن ينفلهم- ولكن يسقط حقهم في أربعة الأخماس نظرًا لما تلتزمه الدولة الإسلامية تجاههم من مرتبات، ونظرًا لأن تجهيز المعارك يقع على عاتق الدولة لا على عاتقهم كما كان في العهد الأول.
وقد كان هذا الحال من وجود المرتزَقة والمتطوعة هو السائد طيلة عهود دولة الخلافة من عهد عمر رضي الله عنه لما أنشأ ديوان الجند إلى سقوط الدولة العثمانية صاحبة الجيش الإنكشاري، وإن كان مفهوم الجيش قد تطور مع مرور الزمن كما مفهوم الدولة، بحيث اقتصر الجهاد في الدولة الحديثة على الجيش بمفهومه الجديد. وحين سقطت الخلافة لم يبق جيش ولا دولة، وقام الجهاد -الذي هو جهاد دفع بالطبع-