على أكتاف الجماعات الجهادية كما هو الحال في واقعنا، ويمكن أن نورد في هذا الفصل أقوال العلماء التي تبين ما ذكرناه آنفًا وتوضحه.
قال د. وهبة الزحيلي:"ولكن هل لولي الأمر أن لا يقسم الغنائم مطلقًا ويجعلها للصالح العام لا سيما إذا تغيرت نظم القتال؟"
يلاحظ أننا قد رجحنا جواز ذلك للإمام في بحث المنقول إذا وجد حرجًا في توزيع الغنائم، قال الشافعية: ولكن مع مراعاة مدلول آية الغنائم فيعوض الغانمين إذ أن قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ} أي فالحكم أن لله، أو فأن لله حق، أو فواجب أن لله خمسه، والباقي وهو الأربعة الأخماس فللغانمين بإجماع العلماء لأنهم هم الذين حازوه واكتسبوه كما يكتسب الكلأ بالاحتشاش والطير بالاصطياد [1] .
ثم قال:"والحقيقة أن آية الغنائم كانت تتفق مع حالة المحاربين في عهد فتوحات الإسلام الأولى، حيث كان الجهاد مبنيًّا على أساس قيام الشخص به من تلقاء نفسه على أنه فرض، فيكون نتيجة ذلك أن يستحق الغانمون ما غنموه، أما اليوم حيث نظمت الجيوش الثابتة، وخصصت ميزانيات لدفع مرتباتهم، فإنا نرى أن يتخصص أربعة أخماس الغنائم لميزانية الجيش، ويوضع الخمس الباقي في الخزانة العامة ليصرف على المصالح العامة، والمحتاجين من المواطنين أو يتصرف ولي الأمر بما يراه مناسبًا، وليس من اللازم قسمة الغنائم، كما هو رأي الفزاري السابق ذكره في بحث المنقول [2] " [3] .
وقال فيه أيضًا:"إلا أنه وإن أحلت الغنائم في الإسلام ونزل في شأنها تشريع تفصيلي فلم يكن مقصد الجهاد هو الحصول على الأموال والأسلاب، وإنما كما قال الفقهاء: المقصود الأعظم من الجهاد إعلاء كلمة الله تعالى والذب عن الملة. والغنائم تابعة [4] ، أي أن الغنائم نتيجة فقط تترتب على الحرب، ويتملكها المسلمون بالإحراز، فهي أمر واقع كمجرد طريق لإضعاف العدو ومعاقبته، وتعويض ما أنفق على القتال".
(1) قال الزحيلي في الهامش معلقًا:"ويلاحظ أن القياس على اكتساب الكلأ ونحوه الآن قياس مع الفارق؛ لأن الجندي اليوم مأجور ومأمور بهذا الفعل فهو يعمل لا لنفسه وإنما نتيجة عقد العمل، أما احتشاش الكلأ فهو يحتشه لنفسه، وإذا كان مأجورًا لذلك فيكون ما يحتشه أو يصطاده على ملك المؤجر".
(2) قال الزحيلي في الهامش معلقًا: (ويرى الأستاذ مصطفى الزرقا في المدخل الفقهي(1/ 141) أنه من السائغ شرعًا على أساس الاستصلاح أن تكون الغنائم الحربية كلها للدولة ولا حق فيها للمقاتلين فيما إذا تبدلت الظروف واقتضت الحاجة نظامًا آخر للجندية بدفع رواتب شهرية للجنود).
(3) آثار الحرب للزحيلي (ص 634 - 635) .
(4) فتح القدير (4/ 286) ، الأحكام السلطانية للماوردي (ص 41) .