وفيه مسائل:
-المسألة الأولى: الوعيد فيه في الدنيا والآخرة:
وقد سبقت بعض الأحاديث التي تتحدث عن حرمة الغلول وأنه من الكبائر، ومن أشد الوعيد حديث الشملة في الصحيحين، حيث أن الغلام قُتل في المعركة وهذا يعني أنه شهيد، ومع ذلك فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال الناس: هنيئًا له الجنة، قال: «كَلَّا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ [1] إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أَخَذَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنَ المَغَانِمِ، لَمْ تُصِبْهَا المَقَاسِمُ، تَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا ... » الحديث، والشملة: مئزر من صوف أو شعر يؤتزر به.
قال الشيخ أبو يحيى رحمه الله:"وهذا الحديث أشكل على البعض وهو أن الشهيد يغفر له كل ذنب، وهذا قُتل في سبيل الله، فلماذا لم يغفر له مسألة أخذه لهذه الشملة؟ وقد وجهه بعض العلماء: لأن هذا من حقوق العباد فقد أخذ هذا المال من الغنيمة، والغنيمة يشترك فيها هو والآخرون، فعندما أخذ الشملة أخذ شيئًا من حقوق العباد بغير وجه حق فلذلك لم يغفر له فيه، فالإنسان يحتاط كثيرًا في مثل هذه المسائل -يقصد الشيخ يجب أن يحتاط- ... إذن على الإنسان أن يحضر الصغيرة والكبيرة من الغنيمة" [2] .
قال سيد في ظلاله، بعد أن أورد آية تحريم الغلول وبعض الأحاديث الصحيحة التي أوردناها قبل قليل:
"وقد عملت هذه الآية القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة عملها في تربية الجماعة المسلمة حتى أتت بالعجب العجاب، وحتى أنشأت مجموعة من الناس تتمثل فيهم الأمانة والورع والتحرج من الغلول في أية صورة من صوره، كما لم تتمثل قط في مجموعةٍ بشرية. وقد كان الرجل من أفناء الناس من المسلمين يقع في يده الثمين من الغنيمة لا يراه أحد فيأتي به إلى أميره، لا تحدثه نفسه بشيء منه، خشية أن ينطبق عليه النص القرآني المرهوب، وخشية أن يلقى نبيه على الصورة المفزعة المخجلة التي حذره أن يلقاه عليها يوم القيامة، فقد كان المسلم يعيش هذه الحقيقة فعلًا، وكانت الآخرة في حسه واقعًا، وكان يرى صورته تلك أمام نبيه وأمام ربه، فيتوقَّاها ويفزع أن يكون فيها، وكان هذا هو سر تقواه وخشيته وتحرجه،"
(1) ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحلف إلا لأمر عظيم، وهو هنا التدليل على غلظ حرمة الغلول.
(2) الدرر الحسنية شرح السياسة الشرعية (ص 112) .