فالآخرة كانت حقيقة يعيشها، لا وعدًا بعيدًا، وكان على يقينٍ لا يخالجه الشك من أن كل نفسٍ ستوفى ما كسبت وهم لا يظلمون ...
وقد حُملت الغنائم إلى عمر رضي الله عنه بعد القادسية، وفيها تاج كسرى وإيوانه لا يقوَّمان بثمن، فنظر رضي الله عنه إلى ما أدَّاه الجند في غبطة وقال:"إن قومًا أدوا هذا لِأميرهم لَأُمناء".
وهكذا ربَّى الإسلام المسلمين تلك التربية العجيبة التي تكاد أخبارها تحسب في الأساطير" [1] ."
وأما فيما يتعلق بحكم الغال في الدنيا: فيجب عليه ابتداءً أن يتوب إلى الله ويستغفره مما وقع فيه من ذنبٍ كبير، ويعيد ما غلَّه كثيرًا كان أو قليلًا.
"وقد ذهب الجمهور إلى أنه يعزَّر ولا يُقطع؛ لأن له حقًّا في الغنيمة فيكون مانعًا من قطعه ... أما المالكية فالمذهب أنه يقطع إذا سرق نصابًا بعد الحوز، ولم يجعلوا كونه من الغانمين الذين لهم حق في الغنيمة شبهة تدرأ عنه الحد" [2] . ولا شك أن الصحيح هو مذهب الجمهور، ولكن انظر في قول المالكية لتعرف عظم ذنب الغال حتى قالوا بقطعه، فينبغي التفكر في هذا من جهة عظم الذنب، لا من جهة صحة القول بالقطع.
وأما حرق متاعه:
"فالجمهور أنه لا يحرق رحله ولا متاعه، ويرى الحنابلة والأوزاعي حرق رحله كله ومتاعه كله إلا المصحف، وما فيه روح مستدلين بحديث: إذا وجدتم الرجل قد غل فاحرقوا متاعه واضربوه" [3] .
والحديث أخرجه أبو داود، وأورده ابن حجر في التلخيص وذكر تضعيف أحد رواته، ورواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب، كما ضعفه الألباني في تخريجه لسنن أبي داود.
قال في أضواء البيان:"قال بعض العلماء يحرق رحله كله إلا المصحف وما فيه روح، وهو مذهب الإمام أحمد، وبه قال الحسن وفقهاء الشام، منهم مكحول والأوزاعي والوليد بن هشام ويزيد بن يزيد بن"
(1) في ظلال القرآن (1/ 505) .
(2) الموسوعة الفقهية الكويتية (31/ 272 - 273) .
(3) نفس المصدر.