بعث له معاوية رضي الله عنه من يهدده بأنه لو فكر بالتحرك فسيجد معاوية مقاتلًا له تحت راية علي رضي الله عنهما.
إذن؛ كانت دولة الإسلام قائمة والمسلمون أمةٌ واحدة، أي جماعة واحدة منطوية تحت راية إمام ممكن، وإن تعدد؛ فَهُم على العدو سواء، وكانت بلاد الإسلام ودار الإسلام آمنةً مستقرةً، والثغور معبأةً بالجنود، وغزوات الفتح في بلاد الكفار قائمة، وبفضل وجود الأمة وحضورها السياسي ووحدتها وجهادها كان بيت المال قائمًا منتظمًا، صادرًا وواردًا بفضل الفتوحات واستتباب الأمن في بلاد المسلمين، وكانت دورة الاقتصاد الإسلامي أو النظام المالي الإسلامي قائمة ومكتملة، ولا ننسى كذلك أنه في مرحلة من المراحل تم استحداث ديوان الجند أو المرتزقة، وهم جيش الدولة الإسلامية الموظفون بوظيفة الجهاد في سبيل الله، حيث كان لهؤلاء أسماؤهم المعروفة في ديوان الجند، وكانوا يتقاضون راتبًا من دولة الإسلام، إما سنويًّا أو شهريًّا أو غير ذلك، وكانت رواتبهم تصرف من أموال الفيء في بيت المال، وكان هؤلاء يُجَهَّزون تجهيزًا كاملًا من بيت المال، فسلاحهم ومركوبهم وزادهم كله من بيت المال، وكذا رواتبهم، وبإزاء ذلك لا نصيب لهم من غنيمة أربعة الأخماس، بخلاف المتطوعة وهم الذين يخرجون لتلبية نداء الجهاد إذا نادى المنادي يا خيل الله اركبي، فيخرج الواحد منهم بمركوبه وسلاحه وزاده، فطعامه وشرابه وعلف دابته، ودابته من فرس ونحوه وسيفه ورمحه وترسه ونبله ومخفره ودرعه وغير ذلك، كله منه، ففي هذه الحالة كانت تقسم الغنائم بالشكل المعروف.
الغنيمة وهي المأخوذة قهرًا، وبالقتال من الكفار، تقسم خمسة أخماس بعد إعطاء الأسلاب ونحوها على التفصيل الذي ذكرناه في تقسيم الغنائم، ويذهب خمس لمن ذكرتهم آية الأنفال حسبما مر معنا، وأما أربعة الأخماس الباقية فتقسم بعد الأنفال على الغانمين، وهي لمن شهد الوقعة أو غاب في مصلحة الجيش، للفارس ثلاثة أسهم: سهم واحد له واثنان للفرس؛ نظرًا للمؤونة والمناورة والإسهام في الحرب، وللراجل سهم واحد وكل هذا بالنسبة للمتطوعة، أما المرتزقة ومن أُثبتت أسماؤهم في الديوان -ديوان الجند- فلا حظ لهم في الغنيمة، حيث راتبهم مكفول غزوا أو لم يغزوا، وحيث أن تجهيزهم على عاتق الدولة الإسلامية بخلاف المتطوعة. فقد كان المتطوعة يأخذون نصيبهم من الأربعة الأخماس نظرًا لأنهم يقدمون مستلزمات المعركة من عند أنفسهم، كالسلاح والفرس والمؤونة والزاد ونحو ذلك فضلًا عن قتالهم بأنفسهم.