وما زالت الغنائم عبر التاريخ الإسلامي سببًا في النزاع، وربما كانت في أكثر من مرة سببًا لحصول الهزيمة .. ليس في أُحُدٍ فحسب بل في غزواتٍ كثيرة لأهل الإسلام، فينبغي التنبه لذلك في كل جماعة مجاهدة، فلا ينبغي أن تكون المغانم سببَ شقاقٍ واختلاف، حيث لا زلنا في بداية الطريق.
يقول الشيخ أبو يحيى الليبي رحمه الله:"والغنائم دائمًا هي أسباب المصائب، ففي غزوة بدر وقع الاختلاف، وفي غزوة أحد كان سبب الهزيمة لجوء الناس للغنائم، وكذلك في بلاط الشهداء، فالجيش خشي أن تؤخذ منهم الغنائم فانشغلوا بحراستها والرجوع إليها، وفي هذا الوقت قُتل أميرهم ووقعت عليهم الهزيمة وإلا لكانت فرنسا دولة إسلام منذ ذلك الوقت" [1] .
ويقول الدكتور عبد الحليم عويس:"قصة الغنيمة في تاريخنا غريبة، والدرس الذي تلقيه علينا كذلك أغرب!! لقد بدأت أولى هزائمنا بسبب الغنيمة، ولقد وقفنا مرغمين -عند آخر مدى وصلت إليه فتوحاتنا- بسبب الغنيمة كذلك!! فقصة الغنيمة .. هي قصة الهزيمة في تاريخنا. كان قائد المعركة الأولى هو الرسول عليه الصلاة والسلام، وخالف الرماة أمره، وخافوا من أن تضيع فرصتهم في الغنيمة، فكانت"أحد"وشهد الجبل العظيم استشهاد سبعين رجلًا من خيرة المسلمين بسبب الغنيمة .. نعم بسبب الغنيمة!! كان قائد المعركة الأخيرة"عبدالرحمن الغافقي"آخر مسلم قاد جيشًا إسلاميًّا منظمًا لاجتياز جبال البرانس، ولفتح فرنسا، وللتوغل -بعد ذلك- في قلب أوروبا، وهُزم الغافقي .. سقط شهيدًا في ساحة"بلاط الشهداء"إحدى معارك التاريخ الخالدة الفاصلة، وتداعت أحلام المسلمين في فتح أوربا، وطووا صفحتهم في هذا الطريق، وكان ذلك لنفس السبب الذي استفتحنا به دروس الهزيمة .. أعني بسبب الغنيمة" [2] .
ويكفينا واعظًا في ذلك قول الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} ، قال ابن كثير:"وقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} أي: اتقوا الله في أموركم وأصلحوا فيما بينكم ولا تظالموا ولا تخاصموا ولا تشاجروا، فما آتاكم الله من الهدى والعلم خير مما تختصمون بسببه، {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي: في قسمه بينكم على ما أراده الله، فإنه إنما يقسمه كما أمره الله من العدل والإنصاف، وقال ابن عباس: هذا تحريج من الله ورسوله أن يتقوا ويصلحوا ذات بينهم وكذا قال مجاهد" [3] .
(1) الدرر الحسنية شرح كتاب السياسة الشرعية (ص 99) .
(2) دراسة لسقوط ثلاثين دولة إسلامية (1/ 7) .
(3) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (4/ 10) .