قال سيد قطب رحمه الله في الظلال:"لقد بدأت السورة بتسجيل سؤالهم عن الأنفال، وبيان حكم الله فيها، وردها إلى الله والرسول، ودعوتهم إلى تقوى الله وإصلاح ذات بينهم -بعدما ساءت أخلاقهم في النفل كما يقول عبادة بن الصامت-، ودعوتهم إلى طاعة الله وطاعة الرسول، وتذكيرهم بإيمانهم وهذا مقتضاه."
ورسم للمؤمنين صورة موحية تجف لها القلوب {يَسْأَلُونَكَ ... إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ... } ، ثم جعل يذكرهم بأمرهم وتدبيرهم لأنفسهم وتدبير الله لهم، ومدى ما يرونه من واقع الأرض، ومدى قدرة الله من ورائه ومن ورائهم {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ ... وَإِذْ يَعِدُكُمُ ... } ، ثم ذكرهم بما أمدهم به من العون، وما يسره لهم من النصر، وما قدره لهم بفضله من الأجر {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ ... } .
وهكذا يمضي سياق السورة في هذا المجال يسجل أن المعركة بجملتها من صنع الله وتدبيره، بقيادته وتوجيهه، بعونه ومدده، بفعله وقدره، له وفي سبيله .. ومن ثم تجريد المقاتلين ابتداءً من الأنفال وتقرير أنها لله وللرسول، حتى إذا ردها الله عليهم كان ذلك مَنًّا منه وفضلًا، وكذلك يجردهم من كل مطمع فيها، ومن كل مغنم ليكون جهادهم في سبيله خالصًا له وحده" [1] ."
ويمكن أن نذكر في نفس السياق حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يرويه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه: «مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُصِيبُونَ الْغَنِيمَةَ، إِلَّا تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرِهِمْ مِنَ الْآخِرَةِ، وَيَبْقَى لَهُمُ الثُّلُثُ، وَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَةً، تَمَّ لَهُمْ أَجْرُهُمْ» [2] .
قال الإمام النووي في شرحه على مسلم:"فالصواب الذي لا يجوز غيره؛ أن الغزاة إذا سلموا أو غنموا يكون أجرهم أقل من أجر من لم يسلم أو سلم ولم يغنم، وأن الغنيمة هي في مقابلة جزء من أجر غزوهم، فإذا حصلت لهم فقد تعجلوا ثلثي أجرهم المترتب على الغزو، وتكون هذه الغنيمة من جملة الأجر، وهذا موافق للأحاديث الصحيحة المشهورة عن الصحابة كقوله: (منا من مات ولم يأكل من أجره شيئًا، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يَهْدِبُها) أي: يجتنيها، فهذا الذي ذكرنا هو الصواب وهو ظاهر الحديث، ولم يأت حديث صريح صحيح يخالف هذا، فتعين حمله على ما ذكرنا، وقد اختار القاضي عياض معنى هذا الذي ذكرناه بعد حكايته في تفسيره أقوالًا فاسدة" [3] ، ثم شرع النووي رحمه الله في تبيانها والرد عليها.
(1) في ظلال القرآن (3/ 1464) .
(2) رواه مسلم (1906) .
(3) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (13/ 52) .