وإن كان هذا المال الذي في يد هذه الجماعة موقوفًا على عمل بعينه فإنه ينفق منه على هذا العمل وما يخدمه فقط، بمعنى أن الجماعة تنفق منه على كل المشتغلين بهذا العمل جميعًا من المباشِرين للعمل والمعاونين لهم، لأنهم صاروا جميعًا بمنزلةٍ واحدة، وذلك لأنهم تعاضدوا وتناصروا على عمل بعينه، وذلك أن الطائفة إذا انتصر بعضها ببعضٍ وتعاضدوا على شيء واحد فقد صاروا أمة واحدةً في الثواب والعقاب، وعلى هذا مضت سنة النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده، والأدلة على ذلك كثيرة"."
ثم شرع الشيخ بذكر بعض الأدلة كحديث: «تُرَدُّ سَرَايَاهُمْ عَلَى قَعَدِهِمْ» الذي يرويه أحمد وابن ماجة والبيهقي وابن خزيمة.
إلى قوله:"وإذا أُسر أحد هؤلاء المجاهدين أو أُصيب فإن الجماعة تنفق عليه بقدر وسعها وطاقتها، ولا يكلفها أحد غير ذلك كأن تقترض مثلا للإنفاق عليه، لأن الله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها، فإن كان هناك مالٌ موقوف على عملٍ بعينه وأصيب من يعمل في هذا العمل -سواء أكان مباشرًا للعمل أو ردءًا (معينًا) عليه- فإنه يُنفَق عليه من هذا المال حتى ترتفع حاجتُه وعياله، وذلك بقدر المستطاع والمتاح، لأن الجماعة قد صارت حينئذٍ بمنزلة العاقلة لهذا المجاهد يعود إليها ما غنمه حسب التقسيم الشرعي للغنيمة وتضمن ما أخطأ فيه وما أصابه من شيء، وعلى هذا مضت سنة الرسول صلى الله عليه وسلم".
ثم ذكر الشيخ عبد الحكيم حديثَ ابن عمر في البخاري في قصة بني جذيمة الذين أعمل فيهم خالد رضي الله عنه السيف، وحديثَ جرير بن عبد الله البجلي قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية إلى خثعم فاعتصموا بالسجود فأسرع فيهم القتل ... الحديث رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة.
إلى قوله:"ويجوز الاتفاق بين الجماعة وأفرادها على الإنفاق عليه حال الضرورة الملجئة لذلك من إصابة أو أسرٍ ونحوه بقدر الاستطاعة والوسع والقدرة، إذا لم يكن له سبيل من غيرهم، ولا تلام هذه الجماعة على ما كان خارجًا عن قدرتها وطاقتها."
ويجب على كل قادرٍ عَلِم بحاجة هذا المجاهد مواساته من ماله لسد حاجته وحاجة أهله، وهذا من التعاون الواجب على البر والتقوى ومقتضى الأخوة الإيمانية، قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ} ، وقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ» ، قال أبو سعيد الخدري راوي الحديث: (فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أن لا حق لأحد منا في فضل) رواه مسلم وابن حبان وأبو يعلى