تمييزه بين طبقات الناس، فهم جميعًا سواء عنده، حتى رئيس الجمهورية الذي كان يجوب غاب فيروفلاي مرة، فلقيه فحياه؛ وكان جان يحتسي كأسًا من الخمر، فلم يلتفت للحاكم الأعلى حتى أتى على النُّطف الأخر في الكأس، وبعد أن مسح فمه بكمه، وتجشأ وتمتّق، قال للرئيس: (أجل، أعرف أنك الرجل الذي يختاره الفرنسيون ليمثل دور الملك في باريس!) . وماذا تنتظر من جَمّاع أحطاب وإنسان غاب أن يقول غير هذا؟
وربما كان للأسطورة التي تناقلها آل كابوش أبًا عن أب، وجدًا عن جد، في طويل الأزمان والآباد، أثر في هذه العنجهية التي تبدو أحيانًا في أخلاقهم. ذلك أنهم كانوا دائمًا يفخرون أن ملك الغابات في الزمن القديم كان رئيس قبيلتهم. . . فإذا كلم جان رئيس الجمهورية بهذه اللهجة، فأحجى بالرئيس أن يشكر الله، لأنه فرد عادي جدًا إذا قيس بجان سليل ملوك الغاب!!
ما كان أجمل الأصيل فوق البون بك وقد جلست ماري الساذجة فوق العشب الحلو، تحت السنديانة الكبيرة، تعمل بإبرتيها في جورب الصوف الخشن الذي كانت تبيع ما تصنع منه في نهاية كل شهر لبازين العجوز تاجر الملابس في بورجه! لقد كانت تتحدث إلى عنْزِها المربوطة في جذع السنديانة كلما ضجرت من العمل، كما كانت تغنى بصوتها الرنان الجميل فتغمر الغابة المنتشية بألحانها، وتمتلئ أجواء الوادي الساكن بأغنياتها الطورينية الحبيبة، التي لم تعرف النوتة، ولم تأخذ طريقها إلى البيان، بل احتفظت بريفيتها المقدسة لتخرج من فم ماري، كما تخرج موسيقى الملائكة من قدس السماء!
ما كان أجمل الأصيل فوق البون بك حين جلست ماري فوق عشبه، وقد أخذ الخريف يواسي الناس بأنفاسه الربيعية، وقد راحت مارجوت - العنز السعيدة - تقضم الحشيش الحلو مرة، وتصغي إلى غناء ماري أخرى. . . وماري، فيما بين هذا وذاك تعمل أناملها في الجورب الذي أوشك أن يتم، لتتم به الاثنا عشر جوربًا، ولتنطلق بها فتاة البون بك إلى التاجر بازين فتتسلم منه ثمنها، وتعود بالحلوى والفطيرة فتملأ فم مارجوت!
لقد جلست ماري تعمل وتغني، بينما كان السادة الباريسيون أصحاب الفيروفلاي، وأصحاب قصرها المنيف المنيع الذي تأخذه العين في أفق الغابة فترى منه أبراجه الشواهق، يصيدون الأرانب في المتائه والمسارب، ويطلقون بنادقهم على القنافذ والثعالب، فتتردد