الكل؛ ولكن الحقيقة أن الكل موجود في الكل. وكل هذا مخالف لاعتقاد الماديين بل يستحيل عليهم قبوله؛ فلا يستطيع الماديون إذن أن يوضحوا أمرًا هامًا جدًا وهو الحكم والمحاكمة؛ ولا اتفاق الناس وتبادلهم بالأفكار؛ بل يقولون إن تبادلهم في الأفكار إنما يكون باتفاقهم في الحوادث الفيزيولوجية؛ فليست هذه النظرية إلا ضربًا من الخيال فهي نظرية ميتافيزيكية أكثر مما هي عقلية
أما اللاماديون أي الروحيون الذي عارضوا نظريات الماديين فقد قالوا: يجب أن نقبل وجود شيئين مستقلَّيْن عن بعضهما بطبيعتهما، أي هما مختلفان بمادتهما. وأول مدافع بل أول واضع لهذه النظرية هو أفلاطون الذي يقول: (إن النفس هي أخت المثل العليا الخالدة، وهي خالدة مثلها؛ فالنفس إذن محبوسة في الجسد كأنها في حجرة من حجرات هذا الجسد؛ أي إن النفس كالرُّبان في السفينة يُسِّيرها ولا يتأثر بما تتأثر به هذه السفينة. وعلى ذلك فالموت هو رجوع النفس إلى إخوانها حيث تسترجع علمها الأبدي الذي نسيته في الجسد) . أما (ديكارت) فهو يعتبر أيضًا أن النفس والجسد من طبيعتين مختلفتين؛ فماهية النفس هي الفكر، وماهية الجسد هي الامتداد؛ فهما إذن غير متجانسين ولا متشاكلين، بل لكل منهما طبيعة خاصة به. إلا أنه ينكر على أفلاطون قوله بعدم اتصالهما ببعضهما وتشبيه النفس بربان السفينة الذي لا يتأثر بما تتأثر به السفينة فيقول: (إنني لا أنكر أن لي جسدًا يتألم عندما أشعر بألم؛ وأحس بالجوع والعطش عندما يكون بحاجة إلى الأكل والشرب؛ وإنني لست ساكنًا بجسدي كما يسكن الرُّبان في السفينة بل أنا أكثر من ذلك؛ أنا متصل بجسدي أكثر من اتحاد الربان في السفينة، ولو كنتُ مثله لكنت إذا جُرحت لم أتألم، بل على الأقل كنت أرى جرحًا فقط دون أن أشعر بألم، فأنا إذن عبارة عن شخص مفكر)
فديكارت إذن يقول بتأثير الجسد في النفس ويقول: (إن الحركة لا تتغير) أي لا تزيد كمية الحركة في العالم. وهو يصرح بقبوله لفكرة العلاقة بين الجسد والنفس، ولكنه يوضح هذه العلاقة بقوله: (إن كلًا من - الروح والجسد يؤثر في الآخر بمعونة الإله) . ولقد اعتبر بعض الفلاسفة أن هذا الإيضاح مبهم وقالوا: إن إيضاح تلاميذ (ديكارت) أتم وأوسع من إيضاح (ديكارت) نفسه. فتلميذه (ماليبرانش) الذي وضع نظرية الأسباب المصادفة - أي العلل الاتفاقية - يقبل كل أقوال أستاذه ويشعر بالصعوبة في اتحاد الجسد في النفس