التي آوى إليها وقت القيلولة كنت أسمع وقع أقدام كالجند وأصغي إلى وسوسة الأشجار الباسقة وهي تدك وتنهدم، وأرى من خلال فروع الأشجار الملتفة البهموث عابرًا سبيله الوعر وعيناه تتقدان كالجمر وأنيابه البيضاء في فكه الشرس جاثمة براقة كأعمدة من الصوام تشع في غار. ذلك هوا الوحش الذي جعلت له دون غيره هذه الفدافد موطنًا؛ ذلك هو الوحش الذي لم يتبدل من يوم أن عرفت المياه سبيلها في الكون؛ ذلك هو الوحش الذي لم تبصره عين آدمي غيري
تسللت فصول الأعوام لم أحصها عدًا، إذ لا أنيس يخببها إليَّ، ولا أثر يترسم من أعمال أبن آدم القذرة يبغضني فيها. أقول كرت الفصول ونضج شبابي حتى بلغت الرجولة وجلل الشيب مفرقي بالثغام، ولم ألبث أن استولى عليَّ ميل دفين لا يقر على حال وناجيت قلبي المذنب أن لابد من نظرة أو عودة إلى عشيرتي
قفلت أطوي الفدافد إلى أن بلغت المدائن فتدثرت بلباس أهلها إذا لم أكن في البيداء إلا عاري الجسد، ولما بلغت الثغر أقلتني سفينة إلى إنجلترا كان فيها رجل هو وحده الذي لم يتجنب صداقتي ولم يخش غضبي، يستولي عليه النزق، ويملأه الغرور، ويتيه عجبًا كما يختال عادة هؤلاء الذين استوطنوا المدائن، واتخذوا الكلام غذاء عقولهم. وكان طفيليًّا سخيفًا ونسيجًا قذرًا من آراء سافلة، وكان الرعب الشائن هو الخصلة الفريدة التي لم تفارقها نفسه، فمحال أن ترهبه أو تسكته أو تهزمه؛ يتعقبني دائمًا ويلازمني كظلي ليس لقوة أن تنزعه مني، وكلما بصرت به شعرت بدوار، وكان هؤلاء الطغام المحتقرين الذين ترتعد الفرائض لرؤيتهم
كنت أقاطعه مرارًا كلما خاطبني. ولكم هممت أن أقبض عليه وأقذف به إلى البحر للحيتان التي كانت تسبح ليل نهار حول السفينة بعيون براقة وأنياب تواقة، إلا أن نظرات الجميع كانت متجهة إلينا فكبحت جماح نفسي وعدلت عن ذلك مغمضًا عيني على مضض؛ وكلما فتحتهما ثانية وجدته بجانبي وصوته الأجش يرن في أذني الكارهة سماعه
في ذات ليلة تنبهت من نومي على صياح الرجال وهم يقسمون فأسرعت إلى سطح السفين وكنا قد ارتطمنا بصخرة فما أروعه منظرًا! إنه كان هائلًا. فضوء القمر هادئ والبحر على فيروزته نائم. في وسط هذا السكون الصامت الناعم الذي شمل كل شيء انمحى أثر