ويرى (هيجل) أن هذا الأخير (التاريخ) (هو النحو الذي يكافح به الحق على مسرح الحياة، والذي تحقق به إرادة الإنسان إرادة الله) ؛ أما الدساتير فهي إرادة الأمة ممثلة في وثيقة، وأما القوانين فهي إرادة الجماعة فيما يخص خيرها العام، وأما الأخلاق فهي كلمة الضمير فيما يخص قدر الإنسان وأعماله مع الناس، ومجال الحرية فيها أفسح وأسمى من مجال القانون. . . وقيمة هذه العلوم في التربية عظيمة أيضًا، إذ بها يعلم الناشئ مركزه في الجماعة ويدرك أنه غاية ووسيلة معًا، كما أنه يستمد من التاريخ ملكة الحكم الصحيح ويملأ ذاكرته وخياله بحوادث فريدة ومثل عليا وبطولات فذة؛ وهذا وغيره يجعله عضوًا اجتماعيًا يفهم ما له وما عليه، ويصدر أحكامه الخلقية والدستورية على المواقف المعقدة التي تعرض له فلا يكون مجرد (إمعة) يصفق لكل متكلم، ويتشيع لكل كاتب، ويعبد ما لا يستحق أن يعبد، ويتغير ويتحول بهبوب العواصف الطبيعية أو المصطنعة. . .! كما أنه يجعله طامحًا أبدًا إلى أن يكون بطلًا هو أيضًا، فيقف موقف الجهاد الذي وقفه (وشنطن) ، أو يصرخ صرخة الحق التي صرخها (سعد زغلول) !
وأما فائدة الجماعة ذاتها من التربية فلا تكاد تقدر - إذ هي تحفظ لها (الماضي) وتصونه كالحارس الأمين كيما تستطيع الأجيال أن تبني عليه لتعليه، وهي تصون الحاضر وتسعد أهله وتقوي الرأي العام كما قال الزعيم وشنطن، وتحرر الناس وتضمن لهم حكومة صالحة. ثم هي تمحو الإجرام أو تقلله بفضل تنميتها للشعور والإرادة والمسئولية، وبفضل تحويلها النزعات الشاذة إلى نواح أخرى صالحة، وتقويتها الشعور ضد الإجرام. يقول الأستاذ (فالكنر) إن الإجرام يقل في الأمم المتمدنة من حيث معناه الأدبي، فإن وجد بعد ذلك إجرام بالمعنى القانوني فإنما مرجعه ظروف أخرى تقتضي الإصلاح والتعديل؛ وأخيرًا تضمن التربية مستقبل الجماعة إلى حد كبير. أليس الإبقاء على الماضي الجدير بالإبقاء تحسينًا للمستقبل؟ أو لا يزيد امتلاكنا للطبيعة كل يوم بفضل ما ندخله على الماضي من تحسين؟ أو لا توجد علوم الطبيعة عملًا لملايين العمال؟ أو لا تخرج لنا أولئك العلماء الأفذاذ يخضعون البحر والجبل والهواء لإرادتنا؟ ثم إذا كانت التربية لا تخلق عبقرية الفنان أو العالم أو الفيلسوف أفليست تصيدها بشبكتها المحكمة؟ أو ليست تمدها بمادة الأزهار والإيناع؟