ويعرفون كيف يستدلون عليه استدلالي. وكم كنت كما قلت في إجابتي أتمنى خلوّ مؤلفات المرصفي من غروره، حتى لا يذهب هذا الغرور بفضله، وما كان مني عن العلماء شهد الله إلا أنهم في بيئة المبرد حسدوه تنوع ثقافته وتعدد إمامته، وأن هذا الحسد لم يك من شأن علمهم أن يبعده عنهم، لأن الحسد كما يقولون مُوكَل بالأدنى، وهو كما ذكر الجاحظ في رسالة الحسد: (قد صار العلماء أكثر منه في الجهال، ودب في الصالحين أكثر منه في الفاسقين) . وأنا بهذا الرأي لا زلت ولن أزال أدين، وافق الدكتور أم خالف.
هذا يا صديقي الدكتور هو الأمر الأصيل على جليته، قد بسطته موضوعًا في نصابه مقررًا على وجهه، لا كما تطايرت به الإشاعات بل الإشاعات المغرضة، وأنت بما تدخله روايات السوء على الأخبار جد خبير. وقديمًا قالوا: وما آفة الأخبار إلا رواتها. ولعلك يا صديقي عتبت عليّ أني لم أجبك أول ما سئلت، وما كان لك أن تعتب، فتلك عادة الناس فيك وموقفهم منك. على أني أخالف تلك العادة وأجيبك عسى أن تستريح.
تعلمْ يا صديقي أن إغفال إجابتك ما كان إلا استبعادًا عليك أن تفهم ما فهمت، وإلا أملًا أن يردك هذا الاستبعاد إلى الحقيقة تستقيها بعيدًا عني، من غير كاذب فيها أو مشوه لها، وشهود المحاضرة كانوا بحمد الله كثيرين. ولا أكتمك سببًا آخر قوى هذا الإغفال في نفسي، ذاك هو أمرك لي أن أسارع إلى نفي ما سمعت إن كان لم يقع، وإلى الاعتذار منه إن كان قد وقع، وإسرافك في هذا الإسراع تطلبه في أول عدد يصدر من الرسالة، وثالثة الأثافي أن تقول لي: (إلى أن يثبت الراوي افتري عليك، أعلن غضبي على ما بدر منك) . سبحانك اللهم وتعاليت! فما كان لأحد أن يقول: (ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى) إلا أنت.
تلك الثلاث يا صديقي وغيرهن كن محرضاتي على ترك أول عدد من الرسالة يصدر خلوًا من نفيي واعتذاري، لأقف على ما في كنانتك من سهام، ولأتذوق ما قد يصبه غضبك في الجام. وهأنت قد اغتررت فكتبت كلمة ثانية تؤذنني فيها بخصومة تريدها أدبية، والله أعلم بما تريد، وترميني فيها بفرية السرقة منك، جاهلًا كما ستعلم في كلمتي الثانية أنك أنت الذي افتريت وسرقت.
وبعد فإن وصاتي لك يا صديقي أن نتريث، فإن في العجلة وبالًا عليك، وألا تعود تغتر