تيقظ إلى الذي مسنا بالحياة ونحن نجهلها ونجهله، وأخرجنا ذاهلين إلى الضحى النهار وسواد الليل، وأرانا مشاهد ثابتة صارمة في السماء ومشاهد مَرنة متغيرة في الأرض، وبدأ حياتنا من نطفة، ومَطّ أجسامنا من مضغة لحم ملقاة في ظلمات الأرحام إلى أجنة مكتملة التخليق إلى أطفال دراجين إلى غلمان يافعين إلى مراهقين متفتحين إلى شبان مشبوبين إلى كهول وشيوخ منتظرين لا يعلمون وراء أيامهم أيامًا. . .
إلى الذي أدار الشمس أمام عيوننا دورانًا يبلي في أجسامنا نسيجًا وينسج آخر، ويزيد في أفكارنا صورًا وينقص أخرى، ويطوي الأيام تحت أقدامنا سفرًا من الزمن، ثم يطوينا بالأيام عضوًا عضوًا وذكرى وراء ذكرى. . .
إلى الذي فتح في نفوسنا نهمًا لا يشبع من أطايب الوجود وحقائق الوجود، ثم سجننا في سجون القبور إلى يوم النشور. . .
إليه منا نحن الذين نبحث عنه منذ أن دخلنا عالم الفكر وننتظره وراء الأستار ونقرع باب الزمان والمكان في غرة كل يومًا وقَفَا كل مساء نسائل عنه، ومعنا عيون تقود وأقدام تسير وقلوب تتلفت وراء كل ورقة في كل شجرة وكل ذرَّة في كل مَدَرَة. وتنظر في الوجوه والعيون والألسنة، وما يزحف وما يمشي وما يطير وما تحمله الريح وما يحمله الماء والأثير وما تحمله قوة القوى: الفكر!
أواه! أية غفلة هذه التي تغشي الناس وتتركهم عميًا ذاهلين عن مجيء الحياة بهم من غير اختيار إلى دار العجائب وعن سيرها بهم إلى دار المجهول! وعن سير الشمس والقمر وتوارد الأيام وسقوط الأمطار وأسفار الرياح إلى مختلف النواحي!
ثم أية غفلة هذه التي تغشي عقولهم وتصرفها عن الفكر فيمن جاء بهم وسيذهب. . . ذلك الذي استتر وأصر على تكبره واختفائه؟
ولو دخل الإنسان الدنيا بكامل نفسه وفكره حين يولد، ولم يدخلها في غيبوبة الطفولة وذهولها وتدرجها به من البسائط إلى المركبات إلى المعقدات وهو في شغل عن الأسباب والمسببات إذًا لخرج منها مجنونًا بمجرد دخوله إليها من شدة الفجأة ودهشة العجب!
ولعل الله الخالق المبدع شغل أكثرهم بصغائر الحياة والنزاع عليها، وجعلهم كالقطيع الغافل المرتاح السادر في غفلته وعمله عن المعلوم والمجهول من أمور الحياة. . . وأخرجهم في