2 -ولست لهذا من الذين يرون أن شخصية الأزهر العلمية منوطة بجماعة كبار العلماء وما يقدمون من رسائل لا نعلم عنها شيئًا إلا أنها تتفق ومبلغ جهود مقدميها، وإلا أنها صور لا يستغني عنها المؤرخ لأنها تعبر عن الحياة التي حيوها والمنهج الذي درجوا عليه.
هذه الشخصية العلمية للأزهر يجب أن يخلقها - إن كانت غير موجودة - الشبان الذين واتتهم الوسائل، أو تهيأت لهم السبل، وعرفوا طرق البحث وأساليبه، وعلى حبل الذراع منهم ما يدنيهم من الغاية ويقربهم من المقصد. فلنقصد من أجل هذا في اللوم، ولنعمل على تدارك ما عجز عنه الآخرون غير ملومين، إذ لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.
إن في ميدان العمل لمتسعًا لجميع الجهود الصادقة. هناك مثلًا كتب علم الكلام في حاجة شديدة لمن ينفي عنها ما دخلها من آراء غير صحيحة النسب لمن تعزي إليهم من الحكماء والفلاسفة وغيرهم من أصحاب المذاهب الكلامية. هذه الكتب يجب أن يتوفر على دراستها نفر من الأكفاء الذين درسوا علم الكلام على النحو المعروف في الأزهر، وآخرون من الأزهريين الذين درسوا الفلسفة الإغريقية في مصادرها الصحيحة، ليكون في مقدورهم تقويم ما فيها من تلك الآراء ونسبة ما يصح منها لأصحابها، وتبيين ما دخل علم الكلام من فلسفة اليونان تبيينًا يرتفع به الشك وينجلي به الحق، وتسهل معه دراسة علم الكلام. وهناك أيضًا مسألة أخرى أعدها هامة من الطراز الأول، أعني بها تاريخ الأزهر ببيان الرسالة التي أنشئ أولًا لأجلها، ومدى تطور هذه الرسالة على مدى القرون، وما يجب أن تكون عليه في المستقبل، وتاريخ رجالاته الأعلام حتى تصل للعصر الحاضر. إن من أعجب العجب أن يؤرخ مفكري الإسلام كثير من المستشرقين ومن بينهم العالم الفرنسي كارّ ادي فو في خمسة مجلدات تشمل ما يزيد على الألفين من الصفحات وأن نجد في المعجمات الفرنسية ترجمات لمن يجب أن يكون لهم ذكر في التاريخ، بينما كبار من خرجهم الأزهر، ومن لهم علينا أكبر المنة - بما تدرس من مؤلفاتهم وبما أفادوا العلم في النواحي المختلفة - أصبحوا منسيين منا ولا نجد السبيل لتراجم لهم إن أردناها! هذا وذاك من الأعمال جدير بأن يستأثر بكثير من جهود من يرى في نفسه الكفاية من حتى يكون لنا شيء نباهي به في العيد الألفي للأزهر، وأرجو أن يكون منا غير بعيد.
3 -الغاية التي أستشرف إليها هي إذًا المساهمة - في غير تثريب على الغير من كبار