الفن - شعرًا كان أم تصويرًا أم غناء أم موسيقى. . . - هو (صورة الكون في نفس إنسان) وهو (تبلور الحياة في حس فنان) فهل ترى حين تقول هذا الكائن من كان من المشتغلين بالموسيقى والغناء في مصر يحسبك تتحدث بلغة مفهومة أم يفغر فاه عجبًا من هذه اللغة الغريبة التي لم يسمع بها في لغة أبناء هذا الزمان ولم يحس لها تفسيرًا في نفسه وهو يعالج ما يعالج من ألحان؟!
الموسيقى والتلحين، هما هذا الذي يدرسونه في معهد الموسيقى الشرقي من السلم الموسيقي والمسافات في النوتة والتوفيقات التوقيعية بين وزن القطعة التي بين يدي الملحن وبين النغمات التي تناسبها - أيا كان معنى هذه القطعة وجوها الفني فذلك آخر ما يفكر فيه الملحنون. فإن خرج (موسيقار مجدد) عن هذه الحدود، فإلى بعض الألحان الإفرنجية وبعض ألحان سيد درويش: سرقة واقتباسًا وتمزيقًا وتشويهًا، ويا ليتها سرقة صريحة واضحة ولكنها (مرمطة) لهذه الألحان المسروقة حتى تلين وتتكسر وتتخلع وتناسب هذه الدغدغة الماجنة التي يدعونها تجديدًا في التلحين.
هذه وتلك آفاق المشتغلين بالموسيقى والغناء في مصر، فما تكون إذن (صور الكون في نفس إنسان وتبلور الحياة في حس فنان) ؟ ما يكون هذا الكلام الذي يشبه المعميات والألغاز عند هذه النفوس الضعيفة الصغيرة، وهذه العقول المسكينة المحدودة؟!
بلغتني قصة طريفة عن مولد قطعة غنائية يتميع بها شبان البلد وشوابه في هذه الأيام، ولست متأكدًا من صحة جميع تفصيلات هذه القصة ولكنها ليست بعيدة التصديق ولا متعارضة مع المعروف عن هؤلاء (الفنانين) !
قال مغني القطعة لمؤلفها: ما رأيك في (ما يهونش) ألا ترى أنها تكون (مؤثرة) ؟ قال المؤلف: تكون!. قال المغني: وحياة أبيك تضع لنا عليها (طقطوقة) . . . فكان!
هذه قصة لا أجزم بصحة تفصيلاتها هي بالذات ولكنها تتفق مع ما أجزم به من طريقة تأليف المقطوعات الغنائية وبواعثه وعن غناء هذه القطع وأسبابه في نفوس المؤلفين والمطربين، فليست هذه البواعث أحاسيس نفسية تبعث بالقطعة في نفس مؤلفها ألفاظًا وأوزانًا وفي نفس مغنيها نغمات وألحانًا.
فكيف يتأتى إذن لهذه الأغاني أن تكون شعورًا إنسانيًا كريمًا، أو شعورًا حيوانيًا وتلك