والشعب مرهق مغلول ضعيف مفلول يتلقى العذاب من ملك يرميه بالتمرد ويكديه بالجباية، ومن أمير أو شريف يتهمه بالكسل ويرهقه بالعمل. والكنيسة يطيب لها أن تثبت وجودها بأن تتهم الناس بالكفر والضلال وتعزو سوء الحال إلى إسراف الملك في سلطانه والحد من سلطانها فتصور الشعب فريسة أطماع الملك الضليل، وتصور الملك مغلوبًا على أمره من شعب مغرق في الأباطيل، وتستعدي الشعب على الملك والبرلمان يومًا، وتستعدي البرلمان أو الملك على غيره يومًا آخر. وهكذا ألقيت بينهم العداوة والبغضاء وألْبِسوا شيعًا وأذيق بعضهم بأس بعض. تلك أمة قد خلت.
وهناك نتساءل أين موضع شاعرنا من هذا المعترك المصطخبة أمواجه المتلاطمة أفواجه؟ كان من رجال القصر وسفرائهم ومن خدم الملك، فليس عجيبًا أن نراه من رجال الدين في الموضع الذي رأيناه؛ وليس غريبًا أن نراه يصورهم بالصورة التي تفزعهم وإن تلطف أو داجى، ولا يتعاظمنا أن ينظم قصة فيسلكهم في صدرها ساخرًا مقذعًا متندرًا: قال:
في عصر الملك الصالح أرثور كنت ترى بلادنا الإنجليزية مشرقة بالبشر رافلة في حلل النعيم تمرح في أرضها وغابها أميرات الجن تحوطهن صاحبات لهن من الخود الرعابيب، فإذا أمسى المساء خطرن على مروج الزهر، وإذا أصبح الصباح رأيت في الأرض ما تناثر من عقود الزهر التي نظمنها في حلقات رقصهن. وأما الآن فما بقي في الأرض إلا شحاذو الكهان والرهبان نفروا كل مليحة من أميرات الجن، وأفزعوا كل غضة من بنات الغاب، وملئوا المكان بعد أن كان زاخرًا بالأميرات. كان أحد فرسان ذلك الملك الصالح ممتطيًا صهوة جواده وعلى وجهه سحابة من الحزن وغشاوة من الشجن فأفضى به التسيار إلى جانب من الغابة قد اتخذته أميرات الجن مرقصًا فركض إليهن جواده يلتمس عندهن شفاء من آلام نفسه وأوصاب صدره، فما أن رأينه حتى شردن وتوارين ولم تبق إلا عجوز شمطاء شوهاء قامت إليه وأخذت عليه السبيل ثم قالت: (أأكول في عونك أيها الفارس؟) قال: (نعم أيتها الجدة، وإن لم تفعلي لأكون من الهالكين) لقد سلفت مني بادرة لا تليق بالسادة الأشراف. أسأت إلى فتاة فحكمت علي الملكة بأن أقصي عن بلاطها سنة ثم أعود فأنبئها وفتياتها الغاضبات بجواب عن سؤال حيرتني به ألا وهو (ما أحب شيء للمرأة؟) فإن أعجبهن جوابي كنت سعيدًا موفقًا، وإن أخطأني التوفيق فهنالك هلاكي. ولقد تصرم يا