الأشياء ما استطعت إلى الترفع عنها سبيلًا. . . إن هذه الأجزاء أشباح زوائل، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام. . .
-يا لهول ما تريد من يا أبتاه! إن لحمة الحياة وسداها هي هذه الأجزاء التي تدركها الحواس، فإن حكمت لي على الحواس بالطمس، وعلى هذه الأجزاء بالبطلان، ففيم عسى أن أجاهد في حياتي، ولطالما علمتني أن الحياة جهاد!؟
-لقد أخطأت يا ولدي، فإنما أردت لك أن تهمل أحداث الحياة الصغرى لتتعلق نفسك بمعانيها الكبرى، وفي هذا فليجاهد المجاهدون. . . إنما أردت لك أن تهمل القشور لتعب من اللباب. . . فاهجر ما تغريك به الحواس، ليتسنى لك أن تقبل على الحياة إقبال الجريء الباسل الذي لم تعد تهزمه المخاوف الصغرى والأخطار التوافه!
إن النبي عليه الصلاة والسلام حين قال: يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته. . . إنه حين قال ذلك كان المتصوف الأكبر الذي أهمل صغائر الحياة ولذائذ الحس لينصرف إلى أداء الرسالة الكبرى مهما لقى في سبيل أدائها من عناء
وتلك هي الفكرة الثالثة التي أردت أن أهديك بها اليوم: اترك جانبًا من الحياة لتمعن في جانب. انفض عن كاهلك غبار الدنيا من ناحية لتقبل عليها تقيًا نقيًا من ناحية أخرى. . .
إن التصوف يريدك أن تقف من دنياك موقفا وسطًا بين الإهمال والإقبال، فإن أنت أهملت كأنك لست منها، فلست بالمتصوف الحق، وإن أنت أقبلت على الدنيا كأنها عندك كل شيء فلست بالمتصوف الحق. . . إن شغلت منصبًا من مناصب الدولة الملحوظة، فأهملته ولم تأبه لشيء مما يتصل به، فلست بمنصبك جديرًا، وإن شغلت المنصب بحيث تندك قوائم نفسك لو أفلت منك، فلست كذلك بالمنصب جديرًا. فالرجل الحق هو الذي يبذل وسعه مجاهدًا يريد النجاح ولا يخور للفشل. . . إن التصوف الصحيح ليريدك على أن تنغمس في العالم بقدر وتنسحب منه بقدر، بهذا تكون سيد نفسك، ولا تصبح ألعوبة لاعب في أيدي القدر. . .
ولتعلم يا بني أخيرًا أن العالم الحق لا يكون كذلك إلا إن كان متصوفًا، فهل رأيت عالمًا لا يفني نفسه إفناء في سبيل علمه؟ هل رأيت عالمًا لا يضحي بشواغل الحياة الصغرى