-ما هذه الفضائح. . . ما هذه القذارة؟
وأصابت العصا ساقها دون قصد منه. فرفعت إليه بصرها وحدجته بنظرة باردة قاسية كان لها في نفسه وقع شديد وقالت له:
-أتضرب الساق التي رفعتك إلى أعلى المناصب؟!
لقد كانت تلك الكلمة أليمة موجعة، ولكن ذكراها التي تعاوده الآن أنكى وأمرّ
وشعر عند ذلك بغمز موجع في صدره، فاتكأ على يديه الضعيفتين وهمَّ جالسًا في الفراش وكسر مخدة واستند عليها متنهدًا من الأعماق، وبدأ كالمستغيث من أفكاره، ولكن ذاكرته لم ترحمه ولم ترق لحاله فاستحضرت أمام ناظريه حادثة أخرى ليست دون سابقتها بشاعة وقبحًا. . . وكان ذلك وهو في أوج مجده الحكومي وكان يترأس حفلة بمدرسة الجيزة الثانوية فألقى كلمة استقبلت بالتصفيق والتقدير ووزع الجوائز على المتفوقين وغادر المنصة مودعًا من كبار الموظفين إلى سيارته وانطلقت به السيارة، وقد أخذ الظلام يغشى الطرق والحقول؛ وعند منعطف الطريق انبرى له شاب - ولعله كان تلميذًا - وصاح بأعلى صوته: (كيف تضرب الساق التي رفعتك إلى أعلى المناصب) وعرته رجفة شديدة، وتشنج جسمه فلم يلتفت نحو القاذف الخبيث وشعر بانهيار وتفكك، فتفصد جبينه عرقًا باردًا ثم إلى دمه، وعجب كيف ذاعت هذه الجملة الآثمة حتى بلغت هذا الشاب. لقد غدا قصره موردًا لفضائح غير مستورة ينهل منها المتطوعون لإذاعة المخازي. على أنه كان في تلك الأيام قويًا مستهترًا يهضم ضميره القتيل الفضائح بغير مبالاة فهدأ روعه وقال باستهانة وحنق: (قولوا ما يحلو لكم قوله - فسأظل - وأنوفكم في الرغام، السيد المطاع والرئيس المرتجى. أما الآن في ظل النقه والطهارة فقد امتعض وحزن وشعر بالذكريات تصليه لهبًا جهنميًا. . .
ودخلت عند ذاك أمينة فسألته برقة: (كيف حالك يا باشا) ؛ ثم جلست على مقعد وثير، فنظر إليها بعينيه الذابلتين نظرة غريبة لم تفهم معناها الحقيقي؛ وعجب الرجل كيف تحافظ على حسنها وشبابها حتى ليخال الناظر إليها أنها في منتصف عمرها، مع أنه لا يكبرها بأكثر من ثمانية أعوام. . . ثم قال لنفسه دهشًا: (رباه. . . كأني كلما زدت عامًا نقصت عامًا. . . فمتى تذبل وتذوي وتجفل من النظر إلى المرآة؟؟)